إلى ( ماجدة ) و ( مدحت ) ...
آخر من تبقى معي في الحياة حتى هذه اللحظة من أسرة الأستاذ ( رزق رزق سعيد ) والسيدة ( نثرية محمد حنفي ) ...
آخر من تبقى معي من الثمانينيات و( ميت حدر ) القديمة والشرفة التي كان يكفي للطيران منها ارتداء بيجاما كستور صغيرة
رواية ممدوح رزق
( أشرب نخبك أيتها الأشياء الرائعة في العالم .. أنا الأكثر زوالا ، والأكثر إيمانا ، والأكثر حزنا ، الذي يعاني خشية الموت أكثر منكن جميعا )
هيرمان هسّه
يااااااااااااااااااااااااااااااه يا ( حامد ) ...
اليوم جاء موظف التضامن الاجتماعي إلى الشارع .. كان قرفانا ومنهكا وهو يحمل في يده الأوراق اللازمة لتوثيق نتائج ( معاينة نقص الرفاهية ) .. اطمئنان القلب الذي يحتاج إليه القانون قبل أن يقرر منح أحد أبناء الوطن كشك سجائر ليساعده على التخلص من بعض أحقاده الطبقية ويضع قدمه على أول الطريق نحو ( العيش بشرف ) !! ...
رحمة ربنا التي لم تتأخر وجاءت في موعدها على يد ملائكة الحكومة
الرحمة التي تأتي دائما بعد العدل
عدل سفراء الله في مديرية الأمن ومحكمة الجنايات ومصلحة السجون
عدل النظام الكوني المحكم والمخلوق بقدر
العدل الذي يأتي دائما قبل الرحمة
والرحمة ليس ذنبها بالتأكيد أنك لم تكن موجودا حين جاءت ...
ـ تعيش انت .. مات امبارح .
كانت أختك ( منى ) واقفة على ناصية الحارة تشخر وتشتم الفلاحات بائعات الخضار والفاكهة اللاتي لم يشفع لهن عندها الجنيه اليومي الذي تدفعه كل واحدة منهن لها مقابل أن تسمح لهن بافتراش الرصيف المجاور لمدخل الحارة .. كانت كلبؤة مسعورة تتأهب للانقضاض على فرائسها بينما تصيح وتأمر الفلاحات بتنظيف الرصيف جيدا قبل رجوع ( كل بنت كلب منهن إلى البلد الوسخة التي جاءت منها ) ...
وحينما سألها الموظف عنك يا ( حامد ) هدأت وصمتت فجأة كأنما نُزعت فيشة كهرباء من جسدها ثم أخبرته بالأمر بصوت واطيء خرج من بين شفتيها حزينا ومتماسكا .. كانت عيناه تلتهمان ثدييها الكبيرين اللذين يثبت حجمهما وبروزهما الشديد من تحت بلوزتها الضيقة امتلاكهما ( c v ) حافل ، وحينما سمعها تقول أنك مت رفع عيناه إلى عينيها لثانية واحدة ثم أخفضهما ليواصل الالتهام .. أختك بالطبع رأت ماذا تفعل عيناه بصدرها وبالطبع أدركت النار التي تحرق أعماقه الآن وبالطبع ابتسمت .. مجرد ابتسامة صغيرة لم تتسع وتمتد وتخرج منها يد مدرّبة لتأخذ شهوته المكتومة من يدها إلى أي مكان يصلح للتخلص من الدموع الشبقية الزائدة .. لأنه ليس أكثر من موظف فحسب .. قطعة خراء لا علاقة لها بفصيلة المخلوقات الأسطورية التي تسمى بني آدم .. قطعة خراء تسعى وتحارب وتجاهد وتستميت وتقاتل كي تبقى على قيد الحياة التي لا تعني أكثر من مواصلة الطريق نحو الموت محافظا على نفسك كقطعة خراء .. لذا هو بالتأكيد لا يمتلك ثمن ( الدخول ) إلى عالمها الرومانسي الحالم عبر أي من بواباته ( العلوية ) أو ( الأمامية ) أو ( الخلفية ) ولو حتى كـ ( عضو ) مؤقت وليس عضوا عاملا .
ـ البقية في حياتِك ...
كان من الممكن ألا يقولها ...
كان من الممكن أن ينصرف بشكل عادي جدا كأنه لم يحدث في العالم ما يستحق الاهتمام
لكنه لو فعل كان سيؤلم أخلاقياته يقين شرس بأن هذه اللحظة من الزمن ناقصة حقا بما يعجز معها ضميره عن التحمّل .. لأنه طيب .. رغم عينيه التي انهمر لعابها كالسيل ومخيلته التي نشطت كبركان وأخذت أختك من ناصية الحارة ووضعتها عارية تحته في السرير
لكنه طيب يا ( حامد ) ...
لم يقلها كمجرد التزام أعمى وفارغ بعادة متوارثة .. أو لأنه أراد بشكل تلقائي أن يذكر فورا أية سيرة للحياة بينما يعترض طريقه انتصار حققه الموت قريبا .. أو لأنه أراد أن يفعل أي شيء يمكن اعتباره تصرفا عاطفيا تجاه أختك كمحاولة يائسة للتوحد مع الهموم المنتفخة التي تحملها حينما غابت الابتسامة الصغيرة عن وجهها سريعا ...
هو طيب يا حامد .. مثلك ، ومثل أختك ، ومثل كل الناس الطيبين المتأكدين دائما أنهم مذنبون وأن لكل شيء حكمة وأنه رغم كثرة أخطائهم يستحقون المغفرة والعفو ودخول الجنة ...
ـ سلامو عليكم ...
قالها مبتسما بارتباك كبير .. بدا كأنه لا يريد أن ينصرف ، وأنه ينتظر شيئا لا يعرف ما هو ولا كيف يمكن أن يحدث .. من أختك .. منه هو نفسه .. من القدر بشكل عام ...
ـ سلام ورحمة الله
وأدرات وجهها ودخلت الحارة بينما ظل أثناء ابتعاده يلتفت إلى الخلف حتى خرج من الشارع .
ياااااااااااااااااااااااااااااه يا ( حامد ) ...
لما عاد الموظف إلى عمله ألقى بملف أوراقك فوق مكتب موظف آخر وقال له أنك مت
هكذا فقط
قال له أنك مت
قالها كمعلومة عادية وعابرة جدا لن يحدث في الكون أي استفادة منها سوى أنها ستحدد مصير هذه الأوراق فحسب
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله ...
قالها الموظف الآخر الجالس على مكتبه قبل أن يصغي بمنتهى اللهفة لزميله الذي سيحكي له عن ( الصاروخ ) أخت ( الواد إللي مات ) التي قابلها اليوم .
* * *
ـ ( عملية تؤدي لاختلال التنفس بسبب الانغمار أو الغطس في سائل ) .
منظمة الصحة العالمية .
ـ ( في ستين نصيبة الشارع ارتاح منه )
مؤمن بإمكانية نشأة تاريخ جديد تقدر معه الحياة على التخلص التدريجي من أسباب وأدوات الشر تمهيدا للوصول إلى مرحلة النقاء الكامل للخير ، وعلى هذا يعيش في حالة استعداد وترقب دائم لتلقي الإشارات الأولية لهذا التاريخ .
ـ ( ربنا يغفرله ويسامحه على إللي عمله )
واثق لدرجة اليقين من قدرته على تصنيف أفعال البشر بما يتطابق مع تصنيف الرب نفسه لتلك الأفعال وبالتالي واثق من قدرته على وضع تصورات أقرب إلى الحقيقة للنتائج الأخروية لهذا التصنيف .
ـ ( الله يرحمه )
عابر بالصدفة سمع بالأمر فحسب ولم تشأ الظروف أن تجعل له علاقة به .
ـ ( كان غلبان يا ما اتبهدل في حياته )
عارف بما يعنيه العذاب في الدنيا ، وما يعنيه الخوف من استمرار الحياة بهذا العذاب حتى نهايتها ، وما يعنيه الفزع من أن يكون لكافة المعذبين مصائر متشابهة .
ـ ( ماما .. هو الراجل الوِحِش إللي كان دايما بيتشاكل مع الناس في الشارع راح فين ؟! )
طفل صغير يمضي وقتا طويلا في مراقبة الناس من شرفته .
ـ ( خخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخ )
مهموم ومؤرق بالعلاقة التي لا يمكن تصديق بجاحتها بين الألم في العالم والعبثية القاسية للوجود وبين المنطق الذي تطرحه الأديان لتبرير خلق الإله للإنسان .
ـ ( سبحان الله .. الطريقة إللي مات بيها فعلا من جنس عمله .. سبحان الله )
متابع جيد للمعجزات السماوية التي تحدث في الشارع والتي يربطها دائما بمثيلاتها في كتب التراث أو التي يسمع عنها أحيانا من الآخرين كدليل ـ رغم أنه ليس في حاجة إليه طبعا ـ على أن الله عادل وقادر على كل شيء .
ـ ( ............................................................................ )
شخص ما لم يعرف ماذا يقول
أو لم يكن يريد أن يقول شيئا
أو حاول أن يتكلم ولم يستطع
أو يعرف أنه لا يوجد شيء يمكن أن يقال
أو متأكد بأنه حينما لم يتكلم فكأنه قال كل شيء .
* * *
سأبدأ من النهاية ...
لأن هناك أشياء في العالم يمكن تعريفها من نهايتها
لأن هناك أشياء في العالم لا يمكن تعريفها إلا من نهايتها
لأن هناك أشياء في العالم يكفي أن تحكي نهايتها كي يتم تعريفها
في نهاية الغرق
ستبتلع كثيرا من حبوب الهلوسة اللازمة لمنح الهلاوس المعقدة التي تحقن الحياة دمائك بها طوال الوقت قليلا من المنطق المصحوب ببهجة غير مفهومة
وتستأجر مركبا
وتقوده وحدك حتى منتصف المسافة بين ضفتي النيل
وتخلع ملابسك
وتقفز .
* * *
في البداية خلق الإله إلها مثله .. مثله في كل شيء .. خلقه كاملا تماما .. بعد وقت ما كان على الإله الخالق أن يسأل الإله المخلوق : تحب تبقى بني آدم ؟
لم تكن بالطبع هي المرة الأولى التي يسأل فيها الإله الخالق إلها مخلوقا سؤالا كهذا بل سبقها مرات كثيرة جدا لا حصر لها انتهت جميعها بتفضيل الآلهة المخلوقة أن يتحولوا إلى بشر ، ولأن الإله المخلوق كان إلها بحق فقد كان عالما تماما بالغيب والمستقبل ويعرف بدقة ماذا يعني أن يتحول لإنسان فأجاب على الإله الخالق بالرد التقليدي المعتاد قائلا : أيوة أنا عايز أتحول لبني آدم
وكالمعتاد أيضا قال له الإله الخالق : إنت حر أنا عن نفسي ها أفضل إله زي ما انا .
هكذا حوّل الإله المخلوق نفسه إلى إنسان وبدأ حياته على الأرض ...
تزوج رجل امرأة ثم أنجبا ابنا ـ الذي كان في الأصل إلها .. الابن عرف أن هذه المرأة اسمها ( ماما ) وهذا الرجل اسمه ( بابا ) .. ماما هي التي تقوم تجاهه بكل ما يمكن أن تؤديه أية أم عادية تجاه طفلها من رعاية وعناية وتدليل وحب واهتمام ، ومع بداية المساء تتركه مع امرأة أخرى قد تكون خالة أو عمة أو قريبة أوجارة أوصاحبة ثم تلّون وجهها بالمكياج الكثيف الفاقع ، وتربط إيشاربا لتغطي شعر رأسها الملفوف بالـ ( رولو ) ثم ترتدي عبائتها السوداء المقفولة جيدا فوق بدلة الرقص وتصعد مع أفراد فرقة الأفراح إلى العربة التي تجوب بهم القرى والمراكز والمناطق الشعبية لإحياء كافة أنواع الحفلات .. ماما التي لن تترك ابنها بعد ذلك وستأخذه معها حين يكبر ويستطيع الكلام والمشي إلى أفراحها وحفلاتها كي ينبسط ويلعب ويأكل ويكون قريبا منها .. ستأخذه أيضا إلى السجن لزيارة بابا .. بابا الذي لم يكن يراه كثيرا .. بابا المتجهم دائما غليظ الملامح ذو الندوب الغائرة الكثيرة المتناثرة في وجهه والذي كان لا يتكلم بل يزعق ويشخر ويسب ويكسّر ويضرب .. بابا الذي لم يكن له عمل محدد .. يفرش فاكهة الموسم أحيانا بجوار مدخل الحارة وأحيانا يقف بعربة يد عليها لعب أطفال رخيصة وأحيانا يأتي بالبمب والبنادق وينصب لوحة التنشين وأحيانا يظل جالسا في البيت وأحيانا يختفي تماما .. بابا كان يشرب الكحول والحشيش والحبوب لوحده أو مع أصدقائه الذي كان يأتي بهم كثيرا إلى البيت للسهر معه حتى الصباح .. ماما كانت تخدّم عليهم .. تغير ماء الجوّز وترص النار وتعد الشاي والقهوة والينسون وأحيانا الطعام وأحيانا ترقص .
بابا دخل السجن كثيرا ولأسباب مختلفة : عاهات مستديمة .. سرقات .. نصب واحتيال .. ماما كان يساعدها في غياب بابا رجال كثيرون وفي عدم غيابه أيضا .. بابا كان أسهل ما عنده أن يرمي بلاءه الهائل على أي شخص يمر في الشارع أو يعبر بسيارته أو يركنها كي يفتعل معه مشاجرة يتجمع عليها الناس وتنتهي بحصول بابا على أي نقود من هذا الشخص الذي يترك الشارع وهو لا يصدق ما حدث له .. ماما أيضا كانت هوايتها المفضلة حين تختلف معها في وجهات النظر أي واحدة من نساء الشارع أو لا تطاوعها في شيء أو حتى لا يعجبها شكلها أو نظراتها أو مشيتها كانت تجلس على الرصيف أمام بيت هذه المرأة واضعة صفيحة بين فخذيها وتظل طوال النهار تطبّل عليها وتغني بكل ما له علاقة بالأعضاء التناسلية والناس التي تركب على ناس والابناء الذين ليسوا أبناء بحيث لا يأتي الليل إلا وتكون هذه المرأة هي ونساء عائلتها بالكامل قد نمن مع طوب الأرض ووسعت فتحاتهن كل شيء وتجشأن لبن البشرية كلها وأصبح رجالهن أكثر الكائنات خبرة واحترافا في حمل المناشف والتجفيف وأخذ الفلوس التي تُترك تحت الوسائد .
بابا أخرج الابن من التعليم بعد سنوات قليلة لأن الأهم هو القرش والحصول عليه بأي شكل وبأية طريقة بصفته الهدف الأسمى في الحياة كما أن الابن أيضا لم ينجح في التكيف مع الحياة الدراسية وما تفرضه من التزامات ووصاية وتحكم خانق .. لم يكن يشعر بالانسجام أو بالتوافق النفسي مع التلاميذ والمعلمين الذين لم يراعوا أو يقدّروا بياض قلبه وصفاء نيته ورقة مشاعره فنتج عن ذلك عدم توقفه أبدا عن أن يشتم ويضرب الطلبة ويمزق لهم ملابسهم أو يلطخها بالقاذورات ويسرق منهم الساندويتشات والنقود والأدوات المدرسية والحقائب .. كان يكتب على جدران الحمامات عبارات وسخة ويكسّر طاولات الفصول ويهز إصبعه الأوسط في وجه المدرسين .. الابن الذي كلما كبر .. كلما زاد إيمانه العميق بأنه لا يجب أن يكون هناك أحد .. أي أحد قادرا عليك .. ألا يعتدي أي مخلوق مهما كان على جسدك أو كرامتك أو حتى يفكر في ذلك دون عقاب قاس حتى ـ وهذا نادر جدا ـ لو كنت أنت المخطيء .. كان ملتزما تماما بالقانون الذي ينص على أن المطواة حين تُفتح لأي سبب لا يمكن أن تُغلق دون أن تسيل دماء .. أي دماء حتى لو كانت دماء صاحبها نفسه لذا كان كثيرا حينما يتشاجر مع أحد ويفتح مطواته كي يضربه بها ثم تنتهي المشاجرة دون أن يحدث ذلك لأسباب مختلفة كتدخل الناس مثلا كان يمر بالمطواة على ظهر ذراعه ـ حيث لاتوجد عروق ـ ليجرح نفسه جرحا بسيطا تخرج منه دماء قليلة قبل أن يغلقها .. كان ملتزما أيضا بمبدأ أن ترك الناس في حالهم ضعف وما يحصل عليه منهم دون رضاءهم حق وأن القيمة الوحيدة في العالم التي تستحق الاحترام هي المزاج الشخصي .. المزاج الذي يحمل في جزء أصيل من تكوينه امتنانا عميقا لأحد أبناء الجيران الذي قرر ذات يوم أن يتعرف به ويصاحبه رغم أنه كان ولدا مؤدبا وتلميذا مجتهدا وابن ناس محترمين ولكنه كان يخرج ويعود إلى منزله حاملا في يديه كتب المغامرين الخمسة والمغامرين الثلاثة والشياطين الـ 13.. كان الابن يعرف بشكل ما أن بداخل هذه الكتب التي يحملها الولد المؤدب حكايات عن القوة والخطر والعراك والضرب والتحدي والتحطيم والانتصار تشبه أفلام الأكشن التي تُعرض في التليفزيون والسينما لذا كان يطلب من الولد المؤدب دائما أن يقرأ ويحكي ويشرح له ما يحدث في هذه الكتب وكان الولد يطاوعه ولا يتأخر عنه ربما خوفا وربما فرحا ظنا منه أنه شيء جميل أن يسعى ولد سيء الأخلاق وابن ناس ليسوا طيبين لأن يطّلع على القصص والروايات رغم قدرته الضئيلة على القراءة والفهم أما الابن فقد كان كل ما يعنيه من كل هذا هو الاحتفاء بالنشوة التي تسري بداخله نتيجة هذا الاتفاق الرائع والاتساق المذهل والترابط المستقر والواثق الذي يجمع بين حياته الخاصة بكل تفاصيلها وشخوصها وأحداثها وبين ما يتعرف عليه ويكتشفه داخل هذه الكتب من أشياء .. الاتفاق الذي رآه واضحا وبديهيا جدا على الشجاعة والمواجهة وتدمير الأعداء بعيدا عن حسابات الخير والشر التي تحكم حياته الخاصة أو التي تحكم ما بداخل هذه الكتب .. الاتفاق على المعنى الواحد الكبير المقدس : البطولة .. البطولة بصفتها التحقق الأقصى والأمثل والأكمل لرجولتك .. لذكورتك .. لفحولتك .. أن تكسب أي شيء وكل شيء وبأية طريقة .. أن تكون فائزا دائما بصرف النظر عن ما ستحصل عليه ومن ستهزمه .
يعلم ( حامد ) جيدا أن لصوت خطواته الثقيلة والمنتظمة التي تصعد السلالم وتسير في الممر الصغير المؤدي إلى الشقة رهبة تشعل الارتباك في نفوسهم ؛ كما أن صوت مسحه لنعل الحذاء في حافة الدرج الأول للسلم المؤدي لأعلى والملاصق للباب بمثابة إنذار أخير لهم كي يتأكدوا من أن كل الأوضاع داخل البيت خالية من أي خلل يغضبه .
يرن الجرس .. رنة واحدة فقط .. هي الوحيدة التي تأخذ هذه الحالة الغليظة والمُقبضة من بين كل الرنات التي تُحدثها الأصابع الكثيرة والمختلفة التي تضغط الجرس .. تفتح ابنته الكبرى .. عيناها في عينيه لجزء من الثانية ثم تخفضهما وهي تتراجع للخلف ثم تنسحب إلى إحدى الحجرات بينما يدخل هو ويغلق الباب .. يمر بنظرة استكشافية صارمة في صمت على جميع الاتجاهات وهو يتوجه ببطء إلى حجرته كأنما يتأكد من عدم وجود خطأ في مكان ما .
زوجته في المطبخ تعد العشاء والتليفزيون يعرض ( لوريل وهاردي ) ولكن صوته مكتوم تماما .. بعد أن ينتهي من تبديل ملابسه يجلس على حافة السرير وينادي ابنه الصغير .. يدخل الطفل إلى الحجرة بعد لحظات .. تبدو له الحجرة كبيرة جدا بما يجعلها أقرب لأن تكون مكانا مستقلا خارج البيت كما أن إضاءتها المائلة للاحمرار تجعلها أشبه بمغارة ساحر يمارس طقوسا مخيفة ...
ـ صليت العشا ؟
يدق قلبه الصغير بشدة وترتعش روحه أمام النظرة الحادة والصوت القوي والعميق الذي يظل رنينه يتردد في فراغ الحجرة للحظات بعد غيابه .. ينهض ويقترب منه ببطء رافعا يده أمام صدره العريض كأسد يتأهب للانقضاض النهائي على غزال يحتضر ...
ـ صليت ؟
ترتجف الغصّة الغليظة في حلقه وهو يتوسل بعينين مذعورتين لليد السمينة التي تقترب من وجهه الصغير
ـ لـ ...
ولم يتمكن من إكمال النفي لأن اليد السمينة ارتفعت في الهواء فجأة ونزلت بمنتهى القوة على وجهه .. أسرع يجري خارج الحجرة وهو يصرخ ويبكي بحرقة ليدفن رأسه في حضن أمه التي خرجت إليه من المطبخ واحتضنته في صمت وظلت تربت على ظهره وهي تأخذه إلى حجرته .. بعد لحظات وبينما لا يزال يبكي بدموع غزيرة جدا وأنفاس متقطعة وخد مشتعل وجسد ينتفض بشكل متواصل سمعه يزعق فيه من الخارج بقوة :
ـ يلا يا كلب إمشي روح إتوضى وصلي .
يخرج الطفل من حجرته نحو الحمام .. يلمح أبيه بطرف العين جالسا متربعا على الكنبة يتابعه بغضب .. بينما يتوضأ سمعه في الخارج يتمتم :
فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السماوات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وآتيا عليه ، وصوت من السماوات قائلا : « هذَا هو ابني الحبيب الذي به سررت » .
ثم أطلق جيصا قويا .
* * *
اقتسم مع أحد أصدقائه زجاجة ويسكي .. بعدما شرب أصبح ( حامد ) لا يريد شيئا من الحياة سوى أن يصعد إلى شقته ويأخذ سيفين من السيوف الكثيرة التي يحتفظ بها ويفعل بهما أي شيء .. وقف للحظات أمام مدخل الحارة يتطلع إلى الناس ثم تقدم للأمام حتى منتصف الشارع ورفع السيفين معا في الهواء وبدأ يطوحهما بعنف وهو يرقص .. انتاب المارة ذعر شديد جعلهم يسرعون بالفرار من حوله وهم يصرخون .. أصبح الشارع من حوله خاليا فجأة والسيارات بدأت تغير اتجاهات مرورها كلما رأى سائقوها المشهد حين اقترابهم منه أما الشرفات والنوافذ فامتلأت بالمتفرجين الذين خرجوا على صوت الصرخات والضجة ووقفوا يراقبونه بخوف وفضول شديدين .. بالصدفة دخلت الشارع عربة شرطة ليس بها سوى ضابط واحد فقط الذي أمر السائق بالتوقف حينما رأى ( حامد ) يرقص ويلعب بالسيفين .. نزل الضابط من العربة وتوجه نحوه ببطء وثبات وحينما أصبح قريبا منه توقف وصاح فيه بقوة : اثبت ياله ...
توقف ( حامد ) عن الرقص ونظر إلى الضابط كملاك الموت وقال له :
ليس هناك واحد آخر يعرفك إلا ابنك إخناتون .. لقد جعلته عليماً بمقاصدك وبقوتك .
ثم رفع السيفين عاليا ونزل بهما على كتفي الضابط .. صرخة واحدة هائلة اندمجت بداخلها صرخة الضابط مع صرخات الواقفين في الشرفات والنوافذ وانطلقت في فراغ الشارع مع الدماء الغزيرة التي تفجرت من كتفي الضابط الذي أسرع بإحكام قبضتيه عليهما بعد أن شعر بأن ذراعيه بالفعل على وشك الانفصال عن جسده ثم ألقى بنفسه داخل السيارة التي انطلق بها السائق بأقصى سرعة .
ظل ( حامد ) واقفا للحظات .. وحده في منتصف الشارع مع الصمت والدماء بينما العيون المتجمدة تحدق فيه من فوق بألم ورعب مكتوم كأنهم يتطلعون إلى شيطان قادم من أعماق الجحيم .. دخل إلى الحارة لثوان وعاد حاملا كرسيا ووضعه أمام مدخل الحارة ثم جلس عليه واضعا رِجلا على رِجل وفي عينيه نظرة تحدٍ راح يتطلع بها نحو مدخلي الشارع من اليمين واليسار كأنما ينتظر شيئا واثق من مجيئه ...
دقائق قليلة بعدها اقتحمت الشارع ثلاث عربات للشرطة حين توقفت وفتحت أبوابها قفزمنها أكثر من ضابط وعدد كبير من أمناء الشرطة والمخبرين انقضوا جميعا على ( حامد ) الذي سقط من على كرسيه واختفى تماما تحت هذا العدد الكبير من الأجساد التي تهاجمه والأذرع والأرجل التي تنهال عليه بكل قوتها دون توقف .. لم يصدر عنه أي صوت .. أي صوت .. وبعد انتهاء رجال الشرطة من مهمتهم ظهر وهم يحملونه من ذراعيه ووجهه مغطى بالدماء وملابسه ممزقة ثم قام أحد المخبرين بربط ذراعيه وهما مضمومان للأمام بجنزير حديدي طويل ثم انهال على قفاه بصفعة هائلة وهو يأمره : انزل
نزل ( حامد ) على ركبتيه فقام المخبر بربط الطرف الآخر من الجنزير بالإكصدام الخلفي لإحدى العربات البوكس ثم ركب الجميع داخل السيارات التي انطلقت بهم بينما إحداها تجر جسد ( حامد ) .. ظل هذا الموكب يجوب الشوارع لفترة طويلة والضابط الذي يجلس بجوار سائق العربة التي تسحل ( حامد ) يقوم بتوجيه أوامره للسائق بأن يسرع بالسيارة للدرجة التي تجعل عظام ( حامد ) تتكسر وجلده يتمزق ثم يأمره بأن يضغط الفرامل فجأة فيندفع جسد ( حامد ) بشده تحت العربة كي يُهرَس وجهه ورأسه جيدا ثم يعود للانطلاق بالسيارة بسرعة وهكذا حتى وصل الموكب بسلام إلى مديرية الأمن .
* * *
فوق أحد أرصفة الجامعة حيث يقع ( Love Street ) يجلس ( حامد ) مع حبيبته .. هو يداعب ورقة شجر بين يديه ويفكر فيها ، وهي تداعب منديلا ورقيا بين يديها وتفكر فيه .. ( حامد ) وحبيبته لا ينظر أي منهما في عيني الآخر أبدا .. يمر وقت طويل من الصمت لأن بداخل كلا منهما كلاما كثيرا جدا .. شعر ( حامد ) بالخجل بعد أن أحس أن منظرهما محرج أمام الطلاب العابرين والجالسين بالقرب منهما الذين يراقبون سكوتهما المتواصل بفضول ساخر تتخلله أحيانا ابتسامات وإيماءات متخابثة كأن هذا الصمت المبالغ فيه دليل على تورط هذين الحبيبين في تبني أحد أكثر أشكال التواصل الرومانسي كلاسيكية وعبطا الأمر الذين يجعلهما مادة جيدة للفرجة والضحك .. قرر ( حامد ) أن يتكلم :
ـ مالِك .. بتفكري في إيه ؟
ـ أبدا .. مفيش حاجة
ـ لأ .. واضح إن فيه حاجة مهمة شغلاكِ .. حصل حاجة ؟
ـ لا والله عادي .. محصلش حاجة
ـ أمال مالِك ؟ .. سرحانة في إيه ؟ .. اتكلمي بصراحة .. إنتي ها تخبي عليا ؟
ـ خايفة تزعل مني
ـ مش قلتلك .. لا ياستي قولي ووعد مش ها أزعل منك
ـ وعد ؟
ـ وعد
ـ إنت متأكد يا حامد إننا لما ها نكون مع بعض في بيت واحد ها نكون سعدا ومش ها نتشاكل أبدا ؟
ـ إنتي إزاي تسأليني سؤال زي ده ؟
ـ شفت .. آديك زعلت
ـ لا أبدا ما زعلتش ولا حاجة .. بس أنا فعلا مستغرب إن إزاي سؤال زي ده يخطر في بالك أساسا
ـ لأني أعرف ناس كانوا برضه بيحبوا بعض جدا ولسنين طويلة قبل الجواز زينا بالظبط ولما اتجوزوا حياتهم أصبحت كلها مشاكل وخناقات وبقوا مش طايقين بعض .. خايفة نبقى زيهم في يوم من الأيام يا حامد .
ـ أولا دول مش زينا .. ثانيا للمرة المليون بقولهالك : إحنا مش زي أي حد .. إللي إنتي بتتكلمي عليهم دول ناس عادية وأكيد إللي بينهم ده مكنش حب أو يمكن مجرد حب عادي .. إحنا إللي بينا حب مش تقليدي .. تقدري تقولي كده إننا الحالة الاستثنائية الوحيدة في الدنيا دي كلها .. إللي بينا حاجة مكنتش موجودة ولا ها تكون موجودة عند أي اتنين غيرنا .. حاجة محدش عرفها ولا جربها غيرنا إحنا بس وده إللي ها يخلينا نعيش على طول في سعادة .
ـ بس احنا حتى دلوقت بنتشاكل كتير من غير ما نتجوز .. يبقى إزاي لما ها نتجوز مش ها نتشاكل ؟
ـ عارفة إحنا بنتشاكل دلوقت ليه ؟
ـ ليه ؟
ـ علشان من جوانا مش طايقين نعيش بعيد عن بعض .. إحنا بنتقابل الصبح في الجامعة ونخرج نتمشى في الشارع شوية وبحدود عشان محدش يشوفنا مع بعض وأحيانا بنخرج بالليل نقعد في مكان عام .. وبعدين ؟ .. كل واحد مننا بيرجع يعيش في بيت بعيد عن التاني .. ويقفل على نفسه أوضه بعيدة عن التاني ، وينام على سرير بعيد عن التاني ( يبتسم ابتسامة ذات مغزى محاولا أن يبدو جريئا بالنسبة لها ) .. فغصب عنا بنعاقب بعض علشان مش قادرين نغير الظروف إللي أقوى مننا وبتمنعنا إننا نكون سوا طول الوقت .. فهمتي ؟
ـ أيوة .. يعني توعدني إننا عمرنا ما ها نتخانق أبدا وإننا ها نعيش سعدا على طول ؟
ـ أوعدك طبعا .. أوعدك إننا ها نعيش دايما في سعادة بعيد خااااااالص عن الدنيا وناسها ومشاكلها ، وإن مفيش لحظة زعل واحدة ها تمر علينا واحنا مع بعض .. عايزك تبطلي تفكير في الموضوع ده خالص ويكون عندك ثقة فينا بدل الشك ده .
ـ حاضر
ـ بعد إذنك لحظة
ـ خير ؟!
لم يرد ( حامد ) على حبيبته وإنما نهض من فوق الرصيف ووقف فاتحا ذراعيه عن آخرهما وصرخ بأعلى صوت :
أنا القدّيس الكامل البوذا الأعظم .. افتحوا آذانكم أيّها الرهبان واسمعوا لي فقد وُجِدَ الطريق أيّها الرهبان .
ثم عاد للجلوس متجاهلا العيون التي لم تلتفت إليه .. بيد مرتعشة حك ذقنه قليلا ثم قال لحبيبته :
ـ تحبي نتمشى شوية ؟
ـ براحتك
ينهضا ويسيرا دون أن ينتبه إليهما أحد .. كان الشباب والفتيات الجالسين في الشارع قد أخذوا كفايتهم من المشهد العاطفي الذي يحدث أمامهما حينما بدأ بطلاه في الكلام فراحوا ينشغلون بالتحدث مع بعضهم في أشياء أخرى .
* * *
تسمّرت كل العيون بفزع في ملامحه الوحشية حينما ظهر لهم فجأة واقفا على عتبة المقهى ويرمقهم بشراسة بعينيه الزائغتين من أثر السُطل .. خرست كل الأصوات مرة واحدة : الأحاديث الصاخبة والمتداخلة ، أوراق الدومينو وقواشيط الطاولات ورمي النرود ، الملاعق والأكواب ، قرقرة الشيّش ، الحركة الدائبة للقهوجي بين المناضد المصاحبة لهتافه المتواصل بطلبات الجالسين .. أيقنوا بمنتهى التلقائية أن شيئا سيئا جدا سيحدث الآن .. بخطوات متطوحة ولكنها نشطة تقدم للداخل ونظراته مثبتة بعداء هائل على ركن في آخر المقهى .. ظلوا يتابعونه بذعر مكتوم حتى وصل إلى هدفه .. أنقض بقوة على شاب ممتليء قليلا يبدو في أواخر العشرينات وأمسكه من ملابسه ثم جذبه بشدة من فوق الكرسي وهو يزعق :
ـ قووووووووووووم معااااااايا ....
لم يبد الشاب أية مقاومة ، ولم يتكلم وهو يترك جسده المرتعش برعب أخرس ليدي ( حامد ) وهما تجرانه وتسحبانه إلى خارج المقهى ...
ـ إنت مش كنت فوق عند ( منى ) امبارح يا كس أمك ؟
ـ أأ.. يوه ...
ـ فين الفلوس ولا انت عايز تتبسط ببلاش يا خول .
ـ بس .. أأنا حاسبتها يا معلم ( حامد ) والله .. و .. وكمان ( الحاجة ) والدتك خدت مني فلوس في الشارع بعد ما نزلت .. حتى أسألهم ...
ـ يا بن الشرموطة إن النهار اثنتا عشرة ساعة .. في الثلاث الأولى يجلس الله ويطالع الشريعة ، وفي الثلاث الثانية يحكم ، وفي الثلاث الثالثة يطعم العالم ، وفي الثلاث الأخيرة يجلس ويلعب مع الحوت ملك الأسماك .. بقولك إيه أنا ماليش دعوة .. طلع 200 جنيه ...
ـ والله ما معايا .. والله العظيم ما معايا ...
امتدت يد ( حامد ) فجأة إلى جيبه الخلفي لتخرج المطواة وتفتحها وتضرب الشاب في جبهته بطرف نصلها ليصيبه بجرح سطحي تهديدي في لحظة واحدة خاطفة للدرجة التي أشعرت الشاب بأن المطواة كانت في يد ( حامد ) منذ البداية وأنه لم يكن منتبها لها .
قال له بألم متوسل : طيب فتشني يا معلم ( حامد ) .. والمصحف الشريف ما معايا ...
تركت يد ( حامد ) ملابس الشاب ودفعته في صدره بقوة لتلصقه بالجدار ثم بدأت تتحسس ملابسه وتتنقل بين جيوبه بسرعة مدرّبة وهو مستسلم له تماما متحسسا جرح جبهته ليعرف من كم الدماء التي علقت بأصابعه مدى عمقه .
أخرج ( حامد ) من أحد الجيوب خمسين جنيها ورقة واحدة ، ومن جيب آخر ثلاثين جنيها ثلاث ورقات إضافة لبعض الجنيهات وأنصاف وأرباع الجنيهات .. أخذ الثمانين جنيه ووضعها في جيبه وترك له الفكة ثم أغلق المطواة وأمسك بملابس الشاب ثانية ليجذبه ثم يدفعه بعيدا عن الجدار وهو يأمره :
ـ غووور ...
أسرع الشاب بالابتعاد وهو ينتفض بشدة بينما يده لازالت ملتصقة بجرح جبهته .
* * *
أفتح عينيّ
لازلت حيا إذن ...
.................................
.................................
.................................
الصباح يأتي كل يوم
منذ واحد وثلاثين عاما والصباح يأتي كل يوم
لكن لا أحد يستيقظ بطريقة واحدة ...
لكل واحد أشيائه التي يفكر فيها على الفور حين يستيقظ
الشخص الواحد نفسه لا يظل طوال حياته يستيقظ بنفس الطريقة لأن الأشياء التي يفكر فيها على الفور لا تظل أبدا ثابتة كما هي ..
زمان مثلا كنت حينما أفتح عينيّ في الصباح أفكر على الفور في صندوق ألعابي الذي ينام بداخله القرد البني الذي يرتدي سترة حمراء والأرنب السماوي والقطار وعربة المطافيء والتليفون الأزرق بسماعته الحمراء إضافة للطائرة الهليكوبتر الصفراء وعربات السباق والحصّالة التي كانت عبارة عن كوخ أحمر يسكنه كلب صغير اسمه ( Fido ) .. كنت أفكر كذلك في العدد الجديد من مجلة ( ميكي ) أو ( سمير ) أو ( ماجد ) الذي سيأتيني اليوم والهدية الجميلة التي ستأتي معه كقناع ( بطوط ) أو جدول حصص ( ميكي ) ، وأيضا في برامج الأطفال التي سأشاهدها بعد قليل والتي تأتي قبل مسلسل الظهيرة .. أفكر في عصابة الأشرار المتخيلة التي سأحاربها عبر غرف البيت والبلكونة بمسدسي المكعبات والتي سأنتصر عليها بالطبع في النهاية .
أفتح عينيّ
أفيق من إغماءتي التي لم تكن عميقة لأعرف أنني نجوت ...
هل يمكن لأحد أن يصدق أن تظل أسقف وحوائط وجدران تنهار وتسقط طوال الليل فوق جسد فاقد الوعي و رغم ذلك يبقى حيا ؟!
المعجزة التي تتكرر كل يوم منذ واحد وثلاثين عاما
وتظل معجزة .
إغماءتي ليست عميقة
تجعلني أرى وأشعر وأفكر في الأسقف والحوائط والجدران بدرجات وضوح متفاوتة
الأسقف والحوائط والجدران التي تسقط فوقي دون أن تلمسني
ربما تسقط من حولي أو تختفي فجأة في الطريق إلى جسدي قبل أن تصيبني
لكنها تصيبني .
لازلت حيا إذن ...
أشعر بالفرح
هذا أمر طبيعي جدا بصفتي ناجيا من الموت بمعجزة
لكنني لم تعد لدي أشياء أفكر فيها على الفور ...
لدي شيء واحد فقط أفكر فيه وهو أن النجاة تعني ضرورة أن أظل محافظا على حياتي طوال اليوم بأي شكل وبأي طريقة مهما حدث .
أنا ( سوبر ماريو )
الذي يخوض حروبه الشرسة داخل لعبة متواصلة تتزايد مصاعبها وأخطارها مرحلة بعد مرحلة أي يوم بعد يوم ولحظة بعد لحظة ...
ينبغي على ( سوبر ماريو ) أن يظل حيا حتى يصعد إلى سريره مرة أخرى بعد منتصف الليل موعد الإغماءة التالية التي ليست عميقة كما تعرف .
لست فرحا جدا
كأنني لم أفتح عينيّ منذ لحظات قليلة
ولم أكتشف أنني لازلت حيا
وأنني نجوت من الموت بمعجزة
ولدي أشياء جديدة ليست كالأشياء القديمة التي ينبغي أن أفكر فيها على الفور .
لست فرحا جدا
الفرح المنهك المتعب للغاية واليائس رغما عني
المريض الذي لا يفهم لماذا ينبغي أن يكون مريضا هكذا ؟
الفرح العجوز الذي لم تعد لديه القدرة لأن يفرح
الفرح لاوجود له
مهما نجوت من الأسقف والحوائط والجدران ، ومهما استيقظت ، ومهما كانت لديك أشياء تفكر فيها على الفور حين تستيقظ ...
الفرح لا يصلح سوى أن يكون اسما من أسماء الله الحسنى فحسب !!!
أفتح عيني ...
لازلت حيا إذن
ولازال أبي وأمي وأخي وجدتي موتى مجهولي المصير
لازالت زوجتي تسعل في المطبخ وتبكي بداخلها على أمومتها التي لم تتحقق بعد
لازال شقيقاي كلا منهما يجلس على مكتبه الحكومي الآن وينتظر بخوف مكتوم قدرا جميلا يعوضه عن نتائج السكن إلى الزوج الذي خُلق له من نفسه
لازال أحد أصدقائي يحلم بكوكب الأرض يتحول إلى جمهورية إسلامية عظمى ، والآخر يبحث عن ذاته التائهة التي يتوسل للفراغ منذ زمن لأن تكون مهمة ونافعة في العالم رغم كافة الألغاز الدرامية القاسية جدا التي قد يحلها الله بعد انتهاء الفيلم الطويل ورغم الناس التي فشلت في أن تحبه كما يجب .
لازلت ( سوبر ماريو )
أتحرك على الشاشة بيد كائن يجيد اللعب إجادة تامة
محترف لايمكن أن يرتكب خطأ واحدا
يتعمد أن يجعلني أعيش الموت في كل لحظة لكنه لايميتني
يجعلني أنجو من كل الميتات كي أموت أكثر
يمنحني أطول وقت ممكن كي أفكر بفزع مكتوم في معنى (Game Over ) التي لا أعرف موعدها .
أفتح عيني
ماذا لو كان ( سوبر ماريو ) لا يحركه أحد ، وأن نجاته المستمرة من الموت ليست سوى صدف بحتة كان من الممكن ألا تحدث لأنه لا يوجد ببساطة من يقرر هذه النجاة ؟
لا زلت حيا إذن
ربما كان القرار الوحيد والأول والأخير هو أن يدخل ( سوبر ماريو ) اللعبة فحسب وما بعد ذلك تم تركه بشكل كلي لما ستقرره اللعبة بنفسها .
أفكر في أن اللعبة مبرمجة من الأساس لأن تكون قرارتها هكذا
أن تفتل بسهولة
وبطء
واتقان محكم .
أفكر في الأشياء التي لايمكن استيعابها بشكل كامل
لأنها تخص كائنا محترفا كان ولايزال موجودا
أو كان ولم يعد موجودا
أو لم يكن موجودا أصلا
لكنه بالتأكيد لا يفتح عينيه في الصباح
مستيقظا من إغماءته التي لم تكن عميقة
ويكتشف أنه لايزال حيا
ويفرح فرحا وسخا
لأن الأشياء التي سيفكر فيها على الفور ليست سوى استمرار عادي جدا للعبة التي كانت ولاتزال موجودة
المؤكد أنها موجودة
اللعبة التي تجعل الصباح منذ واحد وثلاثين عاما يأتي كل يوم
تجعل الصباح ـ رغم كل شيء ـ ليست لديه أي مشكلة في أن يأتي كل يوم ...
( سوبر ماريو ) ينهض كي يغسل وجهه .
* * *
حامد : مساء الخير... أنا ( نيرفانا ) وانت ؟
الصديق : محمود
حامد : أهلا محمود
محمود : نتعرف أكتر ... إنتي منين ؟
حامد : أنا من جمهورية مصر العربية الشقيقة ؟
حامد : وإنت ؟
محمود : أنا مصري ... ليا طلب
حامد : اتفضل ؟
محمود : لسه فيه واحد سافل كان عامل نفسه بنت بيكلمني من شوية ومعنديش وقت للمقالب ... ممكن ( كام ) أو ( مايك ) للتأكد من كونك بنت ؟
حامد : للأسف الشديد أنا ماعنديش طب تفتكر إيه الحل ؟
محمود : صورة
حامد : بس للأسف برضه الماسنجر عندي لا يدعم الصور
محمود : ممكن سؤال ؟
حامد : عموما أنا مش عايزة أهرج حضرتك ... لوعايز نتكلم بجد مافيش مشاكل ما عندكش رغبة يبقى أستأذن
محمود : طيب عرفيني بنفسك
حامد : عموما يا سيدي أنا طالبة في كلية التربية النوعية جامعة دمنهور قسم التربية الفنية وإنت ؟
حامد : السنة الثالثة
محمود : أنا خلصت كلية الآداب 1999
حامد : قسم إيه ؟
محمود : عربي
حامد : عقبالنا يا سيدي
محمود : إن شاء الله
حامد : إنت منين من مصر بالمناسبة ؟
محمود : المنصورة
حامد : أجدع ناس ولو إني عمري ما زرتها الصراحة
محمود : تعالي
حامد : فين ؟
محمود : المنصورة
حامد : بس أنا ما أعرفش حد فيها خالص ؟
محمود : أنا موجود ... ممكن سؤال ؟
حامد : طبعا
محمود : عرفتي الإيميل بتاعي منين ؟
حامد : أقولك الصراحة... أنا لي صديقة اسمها ( باسكال ) من القاهرة أعطتني مجموعة إيميلات من يومين وكان إيميلك منهم
محمود : بس أنا لا أعرفها
حامد : حقيقة مش عارفة
محمود: المهم
حامد : بس ليه إنت متضايق إني كلمتك ؟
محمود : أنا مش متضايق ولا حاجة ... عايز اتأكد من كونك بنت
حامد : طب ودي أحلها لك دلوقت إزاي ؟
محمود : مش عارف
حامد : طيب لغاية ما تعرف إحكيلي شوية عن نفسك وآدينا بندردش
محمود : إحكي إنتي أنا مرهق ومش مركز
حامد : مش عارفة ليه أنا حاسة إني أزعجتك ... أنا آسفة
محمود : لا أبدا ... اسمك الحقيقي إيه ؟
حامد : نيرفانا... وانت بقى بتشتغل إيه ؟
محمود : باشتغل في الأمم المتحدة
حامد : مين يا عم ؟ ... أمم متحدة حتة واحدة ؟... طب إزاي ؟
محمود : أيوة ... كله بتاع ربنا
حامد : لا عشان خاطري اتكلم بجد
محمود : والله بتكلم بجد
حامد : انت بتحلف بالله ؟
محمود : والله
حامد : طب فهمني
محمود : أفهمك إيه ؟
حامد : بتشتغل إيه في الأمم المتحدة... سفير ؟
محمود : ههههههههههههههههههههههههههههههههه ... لا طبعا
حامد : أمال ؟
محمود : أنا مسئول الإعلام والاتصال بالبرنامج الدولي لحقوق الإنسان
حامد : يعني إيه البرنامج الدولي لحقوق الإنسان ؟ ... أعذرني أنا ماليش خبرة في الحاجات دي
محمود : أقولك إيه ؟... أحد المسئولين عن رصد الانتهاكات في مصر ومقاومتها
حامد : يعني بتسافر وتروح مقر الأمم المتحدة ولا إيه ؟
محمود : لا ... ممكن دول أخرى
حامد : زي إيه مثلا ؟
محمود : إيطاليا ولبنان وفرنسا
حامد : يعني إنت بتشتغل في رصد الانتهاكات لوحدك ولا تبع منظمة أو مركز ؟
محمود : في مؤسسة طبعا مش لوحدي
حامد : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .. على فكرة نسيت أسألك إنت متزوج ؟
محمود : لا
حامد : أنا اتخطبت مرة ومكنش فيه نصيب
محمود : خير ؟
حامد : لا أبدا طلع إنسان حقير
محمود : إزاي ؟
حامد : يعني ... حاول يستغل علاقتنا استغلال سيء وكده وأنا ما حبتش الوضع ده
محمود : إزاي ؟... مش فاهم
حامد : لا ... أكيد إنت فاهم
محمود : حاول معاكي ؟
حامد : مش حاول دا عمل كده فعلا
محمود : مارس معاكي فعلا ؟
حامد : لو سمحت يا أستاذ محمود أنا ما باحبش الكلام ده في الحوار بتاعنا لو سمحت ممكن ؟
محمود : ممكن
حامد : قولي بقى...إنت هواياتك إيه ولا حقوق الانسان واخدة كل وقتك ؟
محمود : عندي هوايات كتيرة بس وقتي ضيق وعلى فكرة شغل حقوق الانسان طوعي ولا أتكسب منه علشان المكان الذي أنتمي إليه يرفض التمويل الأجنبي
حامد : أمال وأنا آسفة لتدخلي حضرتك بتكسب فلوس منين ؟
محمود : فاتح مشروع صغير
محمود : والله كويس مشروع إيه ؟
حامد : كوفي شوب
حامد : ما قولتليش بقى هواياتك الكتير إيه ؟
محمود : الموسيقى والغناء والنقد الأدبي وسابقا رياضة الووشو كونغ فو
حامد : أنا عايزة أقولك نصيحة مش عشان أي حد سخيف بيشتغل الناس يبقى كله كده ... إنت شكلك لسه متأثر باللي كان عامل نفسه بنت والظاهر جابلك وسواس قهري وشكلك شاكك إني هو.
محمود : أنا محدش يقدر يشتغلني بس زعلان علشان طلع مش بنت ... حاجة مقرفة تثير الاشمئزاز وكانت طلباته منحطة
حامد : طيب وأنا ذنبي إيه يا حول الله يارب
محمود : ولا حاجة لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين
حامد : ممكن لحظة أجيب كوباية النسكافية من المطبخ ؟
محمود : ممكن
حامد : أيوة أنا معاك... تشرب معايا نسكافيه ؟
محمود : يا ريت
حامد : وانت بقى بتعزف ولا بتغني ؟
محمود : بغني
حامد : على كده صوتك حلو
محمود : الحمد لله
حامد : ممكن اسألك سؤال خاص شوية ؟
حامد : إنت بتصلي ؟
محمود : الحمد لله
حامد : أنا احب الرجل المتدين
محمود : كويس... وخطيبك كان متدين ؟
حامد : كان بيدعي التدين
محمود : آه... ممكن سؤال ؟
حامد : اتفضل
محمود : إوصفي شكلك
حامد : حاضر يا سيدي خد عندك ... شعري أسود مائل للبني ... حاجبي طويل ورفيع جدا ... أنفي وفمي صغيران ... ولو اني محجبة وما يصحش أقولك كده بس معلش
محمود : مش مشكلة ... كملي
حامد : أكمل إيه ؟
محمود : أنا بدور على عروسة... ممكن نكون لبعض ؟
حامد : لحظة لو سمحت
حامد : ممكن أقولك على حاجة وما تزعلش مني ؟
محمود : ممكن
حامد : صديقي أنا مش عايزة أصدمك ولكني مش متخيلة إن فيه شاب في العصر ده لا يعرف كيف يفرق بين التعارف الذي هو بداية لصداقة من أي نوع وبين التوافق العاطفي
محمود : هههههههههههههههههههههههه
حامد : زعلت ؟
محمود : مش فاهم كلامك كويس ... أنا كنت بهزر
حامد : هو انت من النوع إللي لما ما يفهمش يضحك؟
محمود : إنتي عملتيها قضية فلسفية
حامد : مش فلسفة بس أنا أعتقد أن المسألة ليها علاقة بالنضج ... فاهمني ؟
محمود : انتي عمالة تهرجي على فكرة ... أنا متخصص في علم النفس وكمان في النقد الأدبي
حامد : أنا لما وصفتلك شكلي دلوقت كأنني كنت بافتحلك ( الكام ) مش أكتر وتعمدت إني ما اوصفلكش جسمي مثلا رغم إنه جميل جدا علشان مسألة النضج دي ... وأنا آسفة لو كنت جرحتك بس أنا صريحة علشان حاسة إنك انسان محترم
محمود : أنا كلامي معاكي للتعارف وتكوين صداقة أما العالم الذي نعيش فيه يستحيل وجود علاقات عاطفية مكتملة أبدا لأننا نعيش في عالم ناقص لن يعطينا كل شيء فالنقص أصيل فيه
حامد : فعلا إنت بتتكلم صح
محمود : والإنسان لديه العديد من الرغبات كلما يشبع رغبة تنطلق منه وتتولد الآلاف من الرغبات
حامد : إنت ظريف جدا يخرب بيتك دمك زي العسل
محمود : المهم أتمنى تتكرمي وأشوفك
محمود : وأسمع صوتك الجميل
حامد : إنت ماتعرفش إن صوت المرأة عورة
محمود : هههههههههههههههه ... وصورتها وجسمها وكلامها وعقلها ... لو بالمنطق ده يبقى ملكوش لزمة في الدنيا وربنا لم يقل هذا
حامد : لا حاسب ... إحنا لينا لازمة ونص ولا مش واخد بالك
محمود : هههههههههههههههههههههههههه ... ده رأيي ... لأن الشيوخ بيزيفوا دين ربنا لمصالحهم وهم أكتر البشر شهوانية
حامد : إنت شكلك كده موضوع الشهوانية ده واخد حيز كبير من دماغك
محمود : مش فاهم قصدك
حامد : لا ما تفهمنيش غلط ... أنا أقصد إنك بصفتك شاب مثقف فأنت ليك وجهات نظر تانية حول موضوع العلاقة بين الرجل والمرأة غير الناس العادية
محمود : ممكن أعرفها
حامد : تعرف إيه يا حبيبي ؟
محمود : رأيك
حامد : في إيه بالضبط ؟
محمود : موضوع العلاقة بين الرجل والمرأة
حامد : أنا حاسة إنك بتخلط بين الحب وبين الغريزة الجنسية إللي هي عندي أهم
محمود : ثانية واحدة ... أي واحدة أهم الحب أم الغريزة ؟
حامد : بالنسبة لي ؟
محمود : أيوة
حامد : الغريزة طبعا ... أنا شايفة بأمانة أنها الأكثر صدقا وإن الحب الرومانسي هو شكل مظهري وسطحي لها
محمود : المفروض إن الغريزة موضوع مفروغ منه هيحصل هيحصل بس من غير ألفة وحب هتكون ممارسات ومجرد إشباع حيواني
حامد : دا كلام تلميذ في ابتدائي وسامحني على الكلمة دي بس الواقع الحقيقي غير كده لما تجرده من الشعارات
محمود : اتكلمي براحتك بجد عايز أعرف رأيك
حامد : الحب إللي بتتكلم عنه هو حب الأفلام والقصص الخيالية لكن كله بيسعى لغرض واحد وهو الجنس وأنا ما باتهمش الناس لأني أنا نفسي كده باسعى ورا الغرض ده
محمود : مش فاهم ... أنا غبي شوية ... وضحي
حامد : لا إنت مش غبي ... إنت عايز تصيع عليا وده مش ها يجيب نتيجة
محمود : والله مش صياعة... في الدنيا أوعالم القبح الذي نعيش فيه ( عالم المادة ) الحب لن يكون حبا حقيقيا إلا إذا تجسد في قالب الممارسة ومحاولة الوصول لأعلى درجات الإشباع وهذه الدرجة من الإشباع لن تنجح في محاولة وصولها لدرجة من درجات الاكتمال والكمال إلا إذا اكتست بالعاطفة وإلا لن تتجاوز أبعد من الغريزي والحيواني الأصيل في الممارسة النمطية وبالتالي الغريزة صحيح هي الأهم ولكن للحصول على أعلى نتيجة حسية ممكنه لن تتأتى إلا من وجود عاطفة وحب متبادل وخبرات مكتسبة لدى الطرفين وهذه الخبرات للأسف لا يعلمها الإنسان العادي
حامد : أنا بقى شايفة إن الحيوان أكثر صدقا من الإنسان
محمود : صحيح
حامد : فهو يستجيب لغريزته في أي وقت وأي مكان
محمود : أنا لا أجد اختلاف في كلامي عن كلامك
حامد : أما إحنا عندنا حاجات مخادعة بنزيف بيها الرغبة دي
محمود : طبعا ومن حق المرأة أن تطلب زوجها في أي وقت بس فيه قوالب اجتماعية مملة ولا تمت للدين بصلة قيدت حاجات كتيرة
حامد : أما مسألة الإحترام والمحبة وآخر الكلام الحلو ده فالكلام ده برضه خداع لأن الإحترام والمحبة هي عبارة عن رغبات جنسية متخذة شكل شيك
محمود : إضافة للتسلط الرجولي في تلك المساحة واعتبار تحقيق الغريزة بيد الرجل فقط وغالبا بعد ما ينهي الرجل الشرقي ويحقق رغبته ويشبعها وما يتسم به من أنانية جنسية لأنه أسرع في الوصول إليها من المرأة غالبا يدير لها ظهره وينام وهي لم تصل لما تريده بعد لأنها أبطء منه في الوصول للإشباع
حامد : ههههههههههههههههههههه ... إنت راجل عسل وبصراحة خليت عندي إحساسات مش حلوة بالكلام ده وياريت تغير الموضوع
محمود : أنا لا أختلف معاكي وأؤكد إن مفيش اختلاف في كلامنا بس مش فاهم ليه بتتريقي ؟
حامد : لا والله عيب بالعكس
محمود : وليه أصبح عندك احساس مش حلو ؟
حامد : أنا قصدي إحساسات ممكن تشعر بيها أي ست طبيعية بتتكلم مع رجل طبيعي
محمود : بجد ؟
حامد : لا حاسب دا انت ظبطني الصراحة
محمود : نعم ؟
حامد : ظبطني
محمود : مش فاهم
حامد : يعني خيشت في دماغي
محمود : إزاي ؟
حامد : يعني ثبتني
محمود : مش فاهم والله
حامد : يعني كيفتني جامد
محمود : بجد ؟
حامد : الصراحة يا محمود رغم إننا يعتبر ما اتكلمناش كتير إلا إني شايفة إنك أفضل بكتير من الشخصيات المخصية إللي الواحد بيقابلها
محمود : إزاي مخصية ؟
حامد: يعني عالم ولاد كلب تافهة ورسيمة وضاربهم السلك وكده ... إنت شخص متواضع وجميل
محمود : بتوع كلام يعني
حامد : إنت واضح إنك شخص فاهم ومحترم وثقافتك دي حقيقية مش مزيفة ... عن إذنك يا محمود لحظة ها أروح دورة المياة بسرعة وآجيلك
محمود : ماشي
حامد : أيوة معاك
محمود : على فكرة إنتي شقية ومش سهلة ويتخاف منك
حامد : يا سلام ليه بقى ؟
محمود : عقلك متمرد وده شيئ إيجابي بس يخوف
حامد : ربنا يقدرني وأخليك متمرد زيي
محمود : أنا متمرد خلقة ... مش باين عليا ؟
حامد : محمود مش عايزاك تزعل مني لو حسيت إن هزاري معاك تقيل حبتين
محمود : لا
حامد : أنا خدت عليك بسرعة لأنك والله شخص رائع
محمود : الله يخليكي
محمود : أنا عايز أقولك حاجة عني
حامد : قول
محمود : أنا بعمل في العمل العام وفي أعلى مستوياته النضالية على الرغم من صغر سني ومحظور عليا التبسط في الكلام مع الغرباء وعلى الرغم من إن كلامي معاكي فيما هو عادي وغير مضر وعلى الرغم من إني إنسان شكاك بسبب طبيعة عملي وأنظر بنظرة التآمر في تحليل الاشياء والحكم عليها بسبب فساد المناخ في مصر ولحساسية موقعي إلا أنه يشرفني أن نكون أصدقاء
حامد : محمود ممكن أتكلم معاك بصراحة أكتر وعشمي فيك إنك ما تزعلش
محمود : أيوة
حامد : إنت بتحاول تمرر لي إنك شخص مختلف على مستوى الثقافة وعلى مستوى التمرد الحياتي بس ده بيحطمه كونك عايش في الدور بالمنظر الوسخ ده لأنك بتتكلم كلام يجعلك شاب مخابراتي وما اعتقدش إن ده صحيح
محمود : عارف إنك هتقولي كده ... قصدك مزيف ومغرور ومدعي الثقافة وأحاول إبرازها
حامد : مش بالظبط بس يمكن فيك جانب زي أي حد عايز يشعر بالأهمية ودا طبيعي
محمود : تصدقي وتؤمني بإيه ؟
حامد : لا إله إلا الله
محمود : إنتي عبقرية لكلمتك إنك فيك جانب زي أي حد عايز يشعر بالأهمية ... طبيعي إن الأنا بتاعتي تكون موجودة ومسيطرة بس مش متفاقمة عندي لأني لسه بتعلم وبحاول أفهم
حامد : ميرسي يا حبيبي بس ده مش موضوعنا أنا قصدي إنك لازم تكون أكثر صدقا مع نفسك قبل الآخرين أنا بحاول أعمل ده مع نفسي لأن دي حاجة ما بتتعلمش ... قولي يا محمود إنت ليك مثل أعلى في حياتك أقصد في مجالات عملك في حقوق الإنسان والموسيقى وكل مجالاتك ؟
محمود : في السياسة رئيسي أما باقي المجالات فعن طريق التراكم المعرفي والحسي واكتساب الخبرات
حامد : كويس بس كنت أتمنى إن ما يكونش ليك أي مؤثر أو مثل أعلى خالص إلا مقدرتك
محمود : تعالي نغير الموضوع ... إنتي اسمك جميل
حامد : بابا الله يرحمه هو إللي سماني
محمود : بس أوحش حاجة إنه للأسف على اسم المذيعة المملة بتاعة القاهرة اليوم
حامد : ياباي متفكرنيش ... دي بنت كلب سخيفة وتافهة
محمود : ممكن اقول حاجة ومتزعليش مني ؟
حامد : خير
محمود : ومعرصة
حامد : لو سمحت يا محمود أرجوك بلاش الألفاظ الوحشة دي
محمود : حاضر ... أنا آسف بجد
حامد : أكيد المذيعة دي حد شالها من فوق بتاعه وقعدها قدام الكاميرا بفلوسه
محمود : إنتي صريحة قوي بس ممكن أقول حاجة ؟
حامد : اتفضل
محمود : إنتي اتضايقتي من الكلمة إللي أنا قلتها في حين إنتي قلتي دلوقت ما يفوق كلمتي بمراحل
حامد : عادي يا محمود ما احنا ياما قلنا لبعض أوسخ من كده
محمود : إحنا مين ؟
حامد : أنا وانت .. في إيه يا محمود مالك ؟ .. إنت نسيت عمو حامد صديقك العزيز إللي انت وهو ها تكونوا لبعض على طول ؟ .. إلا بالمناسبة غريزتك عاملة إيه دلوقت ؟
هههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه
* * *
قرب الفجر ، وفي الطريق المهجور المظلم خارج المدينة .. يقف ( حامد ) مع صديقه ليراقبا السيارة الملاكي المنزوية في جانب شبه معتم .. بداخلها ترك رجل وامرأة المقعدين الأماميين وتمددا فوق الأريكة الخلفية عاريين تقريبا .. حينما تبين لـ ( حامد ) أن مؤخرة الرجل المكشوفة قد بدأت تصعد وتنزل بين ساقي المرأة المتباعدين والمرفوعين لأعلى أشار إلى صاحبه بالتحرك .. توجه نحو باب السيارة من جهة الرجل بينما توجه صديقه نحو الباب الآخر من جهة المرأة .. في لحظة واحدة فتح كلا منهما بابه وقبل أن يصرخ أي من الرجل أو المرأة كانت يد ( حامد ) قد أطبقت بقوة على فم الرجل وجذبته خارج السيارة في نفس الوقت الذي وضع المطواه بيده الأخرى على رقبته .. حاول الرجل أن ينزل بيديه ليرفع البنطلون واللباس ولما فشل وضع يدا فوق عضوه واليد الأخرى تشبثت بذراع ( حامد ) التي تطبق كفها على فمه وفي عينيه رعب هائل ممزوج بالتوسل .. لم يخرج صاحبه المرأة من السيارة .. وضع فقط هو الآخر يده فوق فمها وباليد الأخرى وضع المطواة عند رقبتها ولم تنجح هي الأخرى في تغطية جسدها فضمت فخذيها بقوة واحتضنت ثدييها بذراعيها بشدة في حين ظلت صرخاتها المكتومة تزوم وتنهمر مع دموعها الغزيرة وجسدها ينتفض بشدة بينما عيناها تحدقان بفزع وألم فيما يحدث .
أخذ ( حامد ) كل النقود التي في بنطلون الرجل إضافة لخاتم ذهب كان يلبسه في خنصره في حين أخذ صديقه سلسلة ذهبية كانت المرأة تعلقها في رقبتها وخاتمين وحلق خلعته من أذنيها بيدين مرتعشتين وهي على وشك الإغماء ...
حامد : تعال خد الواد ده بعيد وخلي بالك من الطريق ...
ابتسم صاحبه ثم رفع يده عن فم المرأة بعد أن نظر في عينيها وحرك حافة المطواة ببطء على وجهها وقال لها : لو سمعت صوتك ها ادبحك ...
.. ذهب ناحية ( حامد ) وأخذ منه الرجل وقاده بعيدا بينما أنزل ( حامد ) بنطلونه ولباسه ودخل السيارة ليباعد بحركة واحدة عنيفة ونظرة حادة بين فخذي المرأة ويدخل بينهما .. ظل يروح ويجيء بعد أن وضعه داخلها وعيناه تتفحصان عينيها المرتخيتين وملامح وجهها الغارق في الدموع وهي تتشنج باستمرار بينما شفتيها مضغوطتين في بعضهما بشدة .. عض حلمة ثديها فخرجت رغما عنها صرخة عالية جعلته ينظر إليها بشراسة كأنه على وشك قتلها .. توسلت إليه بصوت خفيض جدا ومرتجف قائلة له :
ـ معلش .. والله غصب عني .. معلش .
رد عليها قائلا : أعل هُبل .. المجد للات والعزى
واصل عض حلمتيها بشدة وهي تكتم أنفاسها ثم وضع فمه على فمها وراح يقبلها قبلات عنيفة متلاحقة مع تزايد سرعة وقوة حركته داخلها حتى أفرغ شهوته وارتخى فخرج ورفع لباسه وبنطلونه وهو ينظر إليها .. كانت قد أغلقت عينيها تماما وتوقفت عن البكاء وانفرجت شفتاها انفراجة صغيرة وسكن جسدها العاري المبتل من فوق بالدموع واللعاب ومن تحت ببقايا السائل المنوي الذي نزل على فخذيها .. ظلت تتنفس بصعوبة وبطنها يعلو ويهبط بتتابع ثقيل واهن الأمر الذي فسره ( حامد ) لصديقه فيما بعد بأن المرأة ( اتكيفت على الآخر ) وأنها بالتأكيد ـ لولا التعب والوقت ـ كانت ستشكره لأنه منحها ما لم يكن من الممكن أن يعطيه لها ( الخول إللي كان معاها )
* * *
( حامد ) يسترجع الماضي كثيرا .. هو تقريبا يعيش بداخله نظرا لما يحمله لهذا الماضي من امتنان عميق .. امتنان للأيام القديمة الجميلة التي لولاها ما تمكن من الوقوف الآن في شرفه مكتبه الوزاري العالية ويتطلع إلى القاهرة من فوق .. ( حامد ) يتذكر :
محكمة الثورة
مكتب التحقيق والادعاء
محضـر تحقيـق
فتح المحضر يوم الخميس الموافق 29/2/1968 الساعة 11 صباحاً بمبنى مجلس قيادة الثورة بالجزيرة.
نحن/ عبد السلام حامد أحمد
رئيس النيابة وعضو مكتب التحقيق والادعاء
ومحمود عباس
أمين سر مكتب التحقيق والادعاء
حيث عهد إلينا السيد رئيس مكتب التحقيق والادعاء بمحكمة الثورة بسؤال المعتقل ( حامد عبد الرحمن ) واسمه الحركي "موافي" في القضية الخاصة بانحراف جهاز المخابرات العامة ــ وقد تسلمنا من السيد رئيس المكتب صورة تقريرا مقدما من المذكور وهي صورة محررة على الآلة الكاتبة وتقع في اثنين وعشرين ورقة ــ وباطلاعنا عليها وجدنا أنه يتحدث فيها عن عمليات السيطرة "الكنترول" التي قام بها قسم المندوبين بالمجموعة 98 منذ عام 1963 عن طريق تجنيد عناصر من السيدات لاستغلالهم في هذه العمليات وأوضح كيف نشأت هذه الفكرة وأسماء سائر ضباط المخابرات الذين أسهموا في تنفيذها والدور الذي تولاه في هذا الشأن وأسماء السيدات اللاتي وقع عليهن الاختيار والأماكن التي تم فيها تنفيذ العمليات بعد تجهيزها فنياً ــ كما شرح العمليات التي تمت تفصيلاً والأشخاص الذين كانوا هدفاً لهذه العمليات لإمكان السيطرة عليهم واستغلالهم في عمليات المخابرات ــ وأنهى التقرير بتعليق ذكر فيه أن عملية استخدام وسائل السيطرة واستخدام العنصر النسائي تعتبر إحدى وسائل علم المخابرات وأنه تم التفكير فيها كنوع من التطوير والتجديد لقسم المندوبين ولجهاز المخابرات إلا أنه لم تستغل نتائج المجهود المبذول في هذه العمليات وحفظت جميعها في الأرشيف ، وأن هذه العمليات سارت بنجاح لفترة ثم فقدت قيمتها ونجاحها حين خرجت عن الخط المرسوم لها واستبدلت بعمليات غير واضحة أو محددة الغرض من إجرائها على مستوى القائمين بالتنفيذ رغم ما تكلفته من مبالغ ــ كما أورد في التعليق بعض أوجه النقد في تنفيذ العمليات سالفة الذكر ومنها أن وسيلة السيطرة يكفي أن تكون صورة واحدة للشخص المطلوب السيطرة عليه في وضع شاذ لا أن تكون قصة طويلة تليفزيونية وسينمائية ــ كما ذكر أنه كانت هناك شائعات بأن رئيس هيئة الأمن القومي على علاقة بـ ( نجاة الصغيرة ) وأن مدير المخابرات على علاقة بـ ( سعاد حسني ) التي سبق أن أجريت لها عملية "كنترول" ــ كما أوضح في التعليق أن العمليات سالفة الذكر كانت واقعة تحت سيطرة رئيس هيئة الأمن القومي ورئيس المخابرات ولا تتم أي خطوة إلا بتوجيه وأمر صريح ، وأن مصروفات العمليات من مكافآت للمندوبين وإيجارات للمنازل التي تتم فيها وسائر المصروفات كانت تتم المحاسبة عليها بموجب إيصالات وفواتير مع يسري الجزار مساعد رئيس هيئة الأمن القومي .
وقد أشرنا على صورة التقرير بالنظر والإرفاق .
وقد وجدنا مرفقاً بها صورة بالآلة الكاتبة من تقرير آخر مقدم من ( حامد عبد الرحمن ) تقع في ثلاث ورقات ويتحدث فيها عن المشروعات التجارية التابعة لإدارة المخابرات .
وقد أشرنا عليها أيضاً بالنظر والإرفاق .
كما وجدنا مرفقاً أيضاً صورة أخرى من تقرير يتكون من ورقتين محررة بالآلة الكاتبة عن عمليات تسجيل تمت في عيادة الدكتور/ عبد الحميد الطويل زوج ( مريم فخر الدين ) وفي منازل كل من ( فريد الأطرش ) و( نادية لطفي ) و( مديحة يسري ) وينتهي هذا التقرير بتعليق جاء به أنه كان هناك اهتمام بالحصول على وسائل سيطرة على بعض المندوبات رغم أنهن لم يشتركن في عمليات هامة ، كما أنه كانت تصرف مكافآت عقب عمليات غير هامة ولا تستحق المكافأة على عكس ما كان يجري بالنسبة لعمليات أخرى على مستوى عال بالنسبة لعمل المخابرات . كما أنه كان يجري استخدام المترجمين في إتمام عمليات الكنترول الخاصة بالوسط الفني .
وقد أشرنا على هذه الصورة أيضاً بالنظر والإرفاق .
وحيث كنا قد نبّهنا بحضور ( حامد عبد الرحمن )
وحيث حضر فقد دعوناه وسألناه بالآتي قال :
اسمي : حامد عبد الرحمن
واسمي الحركي "موافي" سن 35 ــ رئيس منطقة عمليات بإدارة المخابرات العامة سابقاً وبالمعاش حالياً ــ ومقيم/ 347 شارع رمسيس .
س: ما العمل الذي كنت تقوم به في إدارة المخابرات العامة؟
جـ: أنا التحقت بإدارة المخابرات العامة منذ سنة 1957 وكنت قبل ذلك أعمل ضابطاً بالجيش وبعد انضمامي للمخابرات تدربت في الفرقة ثم عملت كضابط وحدة ميدان في التحريات والمراقبات لمدة حوالي سنة وبعد ذلك تفرغت لعملية خاصة وهي عملية الجاسوس فؤاد محرم ثم عملت في تدريب بعض العاملين بالإدارة حتى سنة 1962 حيث عملت في قسم المندوبين بالمجموعة 98 وكنت رئيس مكتب فرعي هو مكتب الهيئات الدبلوماسية وكان يرأس قسم المندوبين في ذلك الوقت جمال عباس واسمه الحركي "محرم" ثم عينت في أوائل سنة 1963 رئيساً لقسم المندوبين حتى ديسمبر سنة 1964 وتخلل هذا انشغالي في فرقة تدريب ضباط من نوفمبر سنة 1963 حتى إبريل سنة 1964. وتفرغت بعد ذلك أي بعد ديسمبر سنة 1964 لتدريب فرقة ضباط أخرى حتى يوليو سنة 1965 وفي الوقت ده شكلت هيئة الأمن القومي وضمت المجموعة 98 والمجموعة 52 الخاصة بالنشاط والأمن الداخلي بما في ذلك قسم المندوبين الذي كان تابعاً أصلاً للمجموعة 98، وعينت رئيساً لمنطقة العمليات (410) التي كانت تضم وحدات المراقبات والتحريات وقسم المندوبين وكان يرأس هيئة الأمن القومي حسن عليش الذي كان من قبل رئيساً للمجموعة 98 وكانت المنطقة التي أرأسها تابعة لإدارة العمليات التي يرأسها جمال عباس والتي تتبع بدورها هيئة الأمن القومي واستمريت في هذا العمل حتى 26/8/1967 وهو تاريخ التحفظ عليّ وأخطرت بإحالتي للمعاش في 26/9/1967 .
س: هل هذه التقارير مقدمة منك؟ "عرضنا عليه صور التقارير السابق إثباتها" .
جـ: أيوه هذه صور لتقارير كتبتها بعد التحفظ عليّ وأذكر أني سلمتها لأحمد الطاهر محمد رئيس الإدارة الفنية بهيئة الأمن القومي وقد شرحت فيها عمليات الكنترول أو السيطرة التي كانت تتم عن طريق قسم المندوبين منذ أن نشأت الفكرة فيها عام 1963 وحتى سبتمبر سنة 1966 الذي انتقلت فيه هذه العمليات الخاصة من قسم المندوبين إلى رئاسة هيئة الأمن القومي على أثر نقل ضابط النشاط العام الذي كان مختصاً بهذه العمليات من قسم المندوبين إلى إدارة العمليات برئاسة هيئة الأمن القومي مما ترتب عليه انفصال هذه العمليات عن قسم المندوبين وبالتالي عن المنطقة التي كنت أرأسها وأصبحت تتبع رئاسة الهيئة مباشرة، وضابط النشاط العام الذي أقصده هو محمود كامل شوقي واسمه الحركي "شريف" .
س: وما المقصود بعمليات الكنترول ؟
جـ: عمليات الكنترول والتي كان يطلق عليها أيضاً العمليات الخاصة أو بعبارة أدق التي كانت جزءاً من العمليات الخاصة يقصد بها الحصول على صور أو أفلام تثبت وجود علاقة جنسية مشينة للشخص المطلوب السيطرة عليه حتى يمكن استغلال هذا الأمر في أعمال المخابرات في الضغط على هذا الشخص علشان أشغله معايا أو تجنيده للعمل لحساب المخابرات وقد تستخدم هذه العمليات على مستوى سياسي كسلاح في يد الدولة بالنسبة للشخصيات الكبيرة في البلاد الأخرى وأحياناً أعمل الكنترول على شخص مجند فعلاً لضمان ولائه لجهاز المخابرات وإيجاد وسيلة استخدمها في الوقت المناسب للضغط عليه إذا ما حاول أن يقوم بعمل مضاد لي أي لجهاز المخابرات .
وقد لا يكون الكنترول على علاقات نسائية حيث أجريت عمليات عن نواحي شذوذ جنسي بالنسبة لبعض الأجانب ، وكان عندنا مندوبات في القسم لاستغلالهم في تنفيذ العمليات مقابل مكافآت كانت تصرف لهن، وكانت تتم عمليات تجنيد المندوبات بعد ترشيحات وتجرى تحريات كاملة عنهن ويتم الكشف عنهن في الآداب والمباحث العامة ويمروا بجميع مراحل التجنيد المختلفة حسب النظام المتبع في قسم المندوبين وبعد التجنيد الذي لا يتم إلا بعد تصديق السيد/ حسن عليش شخصياً يتم وضع خطة تشغيل وتحديد قيمة المكافأة الشهرية والتي يصدق عليها السيد/ حسن عليش أيضاً إذ كانت جميع المكافآت التي تصرف للمندوبين عموماً بتصديق منه .
س : كيف نشأت الفكرة في إجراء هذه العمليات وكيف سارت ، وما الذي انتهت إليه ؟
جـ: وفي الغد رأى يوحنا يسوع مقبلا إليه ، فقال : ها هو حمل الله الذي يرفع خَطيئةَ العالَمِ .. بدأت الفكرة في إجراء عمليات الكنترول في نهاية سنة 1962 أو بداية سنة 1963 وكان ذلك على أثر مؤتمر عقده حسن عليش لضباط قسم المندوبين الذي كان يرأسه في ذلك الوقت جمال عباس واقترح حسن عليش في هذا المؤتمر عدة اقتراحات لتطوير العمل في قسم المندوبين وكان من ضمن هذه الاقتراحات استخدام العنصر النسائي في الحصول على وسائل سيطرة تستخدم في تجنيد الأجانب والدبلوماسيين للحصول على معلومات تفيد في أعمال المخابرات وكمرحلة من مراحل تجنيدهم بمعنى أن السيدات ينشئوا علاقات مع هذه الأهداف ويتم تصويرهم في أوضاع مشينة لاستغلالها في الغرض سالف الذكر .
وأشار حسن عليش في المؤتمر إلى أن هذه الوسيلة تستخدم في أعمال المخابرات في الدول الأجنبية واحنا فعلاً كنا من قبل كده بندرس المسألة دي ضمن الفرق التي كنا نتدرب فيها على أعمال المخابرات إنما كانت مجرد مبادئ على الورق فأراد حسن عليش بالمؤتمر الذي عقده أن يخرجها إلى حيّز التنفيذ وعقب هذا المؤتمر قام جمال عباس باعتباره رئيس قسم المندوبين بعقد مؤتمر آخر كلف فيه الضباط كل في نطاق عمله بإجراء الدراسات اللازمة لتطوير العمل في قسم المندوبين بما في ذلك تنفيذ عمليات استخدام العنصر النسائي على النحو السابق إيضاحه .
ومن مجموعة الدراسات وضع جمال عباس خطة عامة للتطوير وعرضها على حسن عليش فصدق عليها وكان من ضمنها استخدام العنصر النسائي في عمليات الكنترول وعقب ذلك نقل جمال عباس من قسم المندوبين وأنا حلّيت محله في رئاسة هذا القسم وبدأنا في تنفيذ تلك الخطة وعقد حسن عليش اجتماعاً آخر معي ومع أحمد الطاهر باعتباري رئيس القسم المختص وباعتبار أحمد الطاهر هو رئيس الإدارة الفنية التي نحتاج إلى إمكانياتها في التنفيذ .
وقال لنا حسن عليش أننا نبدأ في البحث عن المكان المناسب وتجهيزه لتنفيذ عمليات الكنترول فيه وعلي أن أتولى ترشيح المندوبات اللي يصلحوا لهذا العمل وأن أبدأ باستلام إحدى المندوبات القدامى من الزميل سمير غانم وكانت هذه المندوبة تدعى ليلى فخر الدين وقد تسلمتها بالفعل من سمير غانم وبحثت أنا وأحمد الطاهر عن شقة لإعدادها لهذا الغرض ووقع اختيارنا على شقة في منزل لا أذكر رقمه بشارع السيد المرغني بمصر الجديدة وأجرناها في أوائل سنة 1963 ولا أذكر التاريخ على وجه التحديد وكان الإيجار 23 جنيه على ما أذكر خفضت بعد ذلك بمعرفة لجنة الإيجارات إلى 12 جنيه وضمّينا لها شقة أخرى مقابلة في نفس البيت بعد حوالي أربعة شهور بإيجار مماثل وكان ذلك من وجهة نظر الأمن لأن البيت مكون من الشقتين دول فقط علشان محدش تاني يسكن معانا .
وتم تجهيز الشقة الأولى فنياً بإخفاء آلات التصوير فيها وأجهزة التسجيل وذلك بمعرفة أحمد الطاهر وهو اللي تولى استئجار الشقة تحت اسم كودي وتحت ساتر أنه يعمل بوزارة الخارجية ــ والشقة الثانية أجرتها أنا باسم كودي أيضاً وكانت مفاتيح الشقتين عهدة أحمد الطاهر وكنت آخذ منه المفاتيح لما يكون فيه عملية وأرجعها لـه تاني .
كما كان هو المسئول عن الشئون الإدارية الخاصة بالعملية والنواحي المالية من دفع إيجار أو تسديد نور ــ وكان أي مكان تستخدمه المخابرات يطلق عليه " منزل أمين " ــ وجميع عمليات الكنترول التي ذكرتها في تقريري والتي تمت في القاهرة كانت في الشقة سالفة الذكر .
وأجرّنا في صيف سنة 1964 فيلا مفروشة بالإسكندرية في ميامي لا أذكر عنوانها على وجه التحديد لإجراء عمليات الكنترول الخاصة بتغطية مؤتمر القمة وأجريت فيها حوالي ثلاثين عملية على وفود العرب .
وبانتهاء العملية تركنا الفيلا ــ وفي أوائل سنة 1966 أجرنا فيلا أخرى في الهرم وراء الأوبرج للقيام فيها بعمليات الكنترول مع شقة مصر الجديدة وتم تجهيزها فنياً بمعرفة أحمد الطاهر ولكنها سلمت عقب تجهيزها لحضور كامل شوقي الذي أصبح كما سبق أن ذكرت تابعاً مباشرة لرئاسة هيئة الأمن القومي وانفصل عن قسم المندوبين وتولى هو استلام الفيلا فلا أعرف ماذا تم فيها وكان إيجارها حوالي مائة وعشرين جنيه في الشهر .
وأما الفيلا بتاعت اسكندرية فكان إيجارها حوالي سبعين جنيه شهرياً والذي تولى تأجيرها هو محمود كامل شوقي وكان الإيجار لمدة سنة دفعت كاملة على دفعتين .
وهذه هي الأماكن التي تم استئجارها لتنفيذ عمليات الكنترول فيها وقد أشرت في تقرير إلى أماكن أخرى ولكنها لا تتصل بهذه العملية وإنما كان استئجارها لأغراض أخرى خاصة بجهاز المخابرات ــ وأما بخصوص عمليات الكنترول التي تمت في شقة مصر الجديدة والتي أوضحتها في تقريري فكانت أول عملية منها خاصة بسيدة روسية الجنسية تدعى جينا ريتا كغيازينا وكانت تعمل مدرسة بمدرسة الألسن وتعمل علاوة على ذلك في السفارة الروسية وكانت على علاقة بمترجم اللغة الروسية في قسم المندوبين كمال عيد الذي قدم تقريراً لي عن هذه العلاقة فنشأت عندي فكرة البدء باستخدام هذه السيدة في إجراء عملية الكنترول تمهيداً لتجنيدها للعمل لصالح جهاز المخابرات داخل السفارة الروسية وعرضت خطة الموضوع على حسن عليش وصدق على تنفيذ العملية وتمت بنجاح وأخذنا للسيدة المذكورة فيلماً 35 مم أثناء عملية جنسية بينها وبين كمال عيد ، والذي أشرف على هذه العملية أحمد الطاهر وأنا وحمدي الشيخ واسمه الحركي "حماد" وكنا نتواجد في حجرة العمليات بالشقة وهي منفصلة عن الحجرة التي تجرى فيها العملية الجنسية وعن باقي الشقة ولها مدخل خاص خلفي من باب المطبخ وكان أحمد الطاهر يتولى عملية التصوير وأنا كنت أساعده فيها وكذلك عملية التسجيل الصوتي وحضر حمدي الشيخ بصفته ضابط عمليات المجموعة 98، ولم نستغل هذه العملية نظراً لأن السيدة الروسية المذكورة غادرت البلاد بعدها بحوالي شهر مغادرة نهائية لم يكن هناك متسع من الوقت للاتصال بها واستغلال عملية الكنترول في تجنيدها .
وكان نظام العمل اللي مشينا عليه بناء على تعليمات حسن عليش هو أن أحمد الطاهر بمجرد انتهاء العملية يأخذ الأفلام والتسجيل الصوتي ويتولى بمعرفة إدارته الفنية تحميضه وطبع الأفلام وتسليمها بعد ذلك لحسن عليش شخصياً الذي يقوم بحفظها في الأرشيف السري الموجود داخل مكتبه وأنا عملت سجل أطلقت عليه "سجل العمليات الخاصة" وكنت أثبت فيه كل عمليات الكنترول التي تجرى وكان يحتوي على اسم الهدف أي الشخصية المعمول عليها الكنترول وعمله واسم المندوبة أو المندوب بتاعنا في العملية وكذا أسماء الضباط المشتركين في تنفيذ العملية وتاريخ تنفيذها وكنت أنا احتفظ بهذا السجل كما كان أحمد الطاهر يحتفظ بسجل مماثل كما كان يوجد نسخة ثالثة منه داخل أرشيف حسن عليش وكان أحمد الطاهر هو الذي يتولى التسجيل في تلك النسخة أيضاً وبعد كده سلمت النسخة اللي عندي لحسن عليش بعد نقل العمليات الخاصة من قسم المندوبين إلى رئاسة هيئة الأمن القومي في سبتمبر سنة 1966 .
(إمضـــاء)
حامد عبد الرحمن
ملحوظة :
اكتفينا بهذا القدر من استجواب المذكور على أن نواصل استجوابه في المساء ووقع في نهاية أقوالـه .
تمت الملحوظة رئيس النيابة
(إمضــــــــــاء)
وأقفل المحضر على ذلك عقب إثبات ما تقدم حيث كانت الساعة 3,60 مساء ،،،
رئيس النيابة
(إمضــــــــــاء)
.......................................
.......................................
.......................................
أعيد فتح المحضر في تاريخه الساعة 7,35 م بمبنى مجلس قيادة الثورة بالجزيرة بالهيئة السابقة .
حيث حضر حامد عبد الرحمن واستدعيناه وواصلنا استجوابه بالآتي قال :
اسمي: حامد عبد الرحمن (سابق سؤالـــه)
س: ما هي سائر عمليات الكنترول التي تم إجراءها ؟
جـ: أريد أولاً أن أوضح صورة لما كان يجري في غرفة العمليات بالشقة فقد كانت الغرفة مجهزة فنياً بثلاث وسائل للتصوير الأولى هي التصوير بالفيديو أي التصوير التليفزيوني وبيكون صورة وصوت وتظهر الصور على شاشة تليفزيونية مركبة أيضاً في الحجرة ومنها يتم التصوير بالسينما وبكاميرا 35 مم وهما الوسيلتين الأخرتين للتصوير ولذلك كان الأمر يقتضي وجود ثلاثة أشخاص لتشغيل هذه الأجهزة أثناء العملية بالإضافة إلى أجهزة تسجيل للصوت .
والنواحي الفنية في الموضوع كانت من اختصاص رئيس القسم الفني وهو أحمد الطاهر وهو الذي كان يتلقى العمليات اللازمة في هذا الشأن من حسن عليش وبالتالي فقد كان هو المسئول عن طبع الأفلام وتبويبها وحفظها في أرشيف حسن عليش وكان هو المسموح لـه بالتردد على مبنى إدارة المخابرات وأما أنا فكانت طبيعة عملي في الميدان لا تسمح لي بالتردد على مبنى الإدارة وكان عملي خلال العشر سنوات التي عملتها في إدارة المخابرات في خارج الإدارة بالمنازل الآمنة .
وأما بخصوص العمليات التي بعد عملية السيدة الروسية السالف ذكرها فقد كانت العملية الثانية هدفها مستشار السفارة اليوغسلافية في ذلك الوقت أي سنة 1963 ولا أذكر اسمه وقد نجحت المندوبة ليلى فخر الدين في التعرف عليه وأبلغتني بذلك في استخدامها في عمل كنترول عليه باعتبار أن الغرض الأساسي من عمليات الكنترول هو الاستفادة منها في أعمال المخابرات وتمت العملية ولكنها لم تستغل وحفظت في الأرشيف .
وتمت بعد ذلك عمليات أخرى على عدد من الأجانب وجميعها مسجلة في سجل العمليات المحفوظ بأرشيف العمليات الخاصة واقتضى الأمر توسيع قاعدة المندوبات من النساء وصدرت تعليمات بذلك من حسن عليش وأنا جندت حوالي أربعة أو خمسة من السيدات دول خلال عامي 1963، 1964 ومن حوالي مارس سنة 1963 صدرت تعليمات من حسن عليش بأن يكون هناك ضابط مسئول عن العمليات الخاصة هو محمود كامل شوقي وكان في ذلك الوقت رئيساً لمكتب النشاط العام وبدأ يقوم بمهمته كمسئول عن العمليات الخاصة تحت إشرافي لأنه كان يتبع قسم المندوبين الذي أرأسه .
وكان حسن عليش يتابع بنفسه سير العمل بالنسبة للعمليات الخاصة ويصدر التعليمات اللازمة بشأنها كما أنها كانت لا تتم إلا بتصديق منه وكانت هناك خطة عامة أساساً بالنسبة لعمل الكنترولات وهي أن تتم بالنسبة للأجانب وأعضاء الوفود الذين يمكن الاستفادة منهم في أعمال المخابرات ولكن إلى جانب هذه الخطة العامة فقد كان حسن عليش يعطينا أوامر باحتياجات محددة أي بعمل كنترولات عن أشخاص يحددهم هو بنفسه ، وكان يتابع بنفسه خطة وتنفيذ هذه الاحتياجات واحنا كنا بننفذ الأوامر التي يصدرها .
ومن ذلك عملية خاصة بالممثلة ( سعاد حسني ) تمت في حوالي أكتوبر أو نوفمبر سنة 1963 حيث اتصل بي حسن عليش وطلب مني إجراء عملية كنترول عليها كما أصدر نفس الأمر لمحمود كامل شوقي وكان الأخير قد اقترح من حوالي شهرين سابقين على حسن عليش أن يتم تجنيد بعض السيدات من الوسط الفني للعمل معنا ضمن خطة لتوسيع قاعدة المندوبات وكانت ( سعاد حسني ) من ضمن الأسماء المقترحة ولكن حسن عليش وقتها لم يوافق على التجنيد من الوسط الفني وقال دول ناس كلامهم كتير ومافيش داعي دلوقتي . ولما كلمني بعد كده بشهرين قال لي أنه عاوز ينفذ الموضوع الخاص بـ ( سعاد حسني ) فوراً ويتعمل عليها كنترول وقال لي اتصل بمحمود كامل شوقي علشان تتفاهم معاه وتعطيه التعليمات اللازمة وأنا حاأكلمه وفعلاً اتصل به وأعطاه نفس التعليمات حسبما سبق أن ذكرت.
وبناء على ذلك اتصل محمود كامل شوقي بإحدى مندوباته وتدعى "ريري" وفهم منها أن الممثلة ( ليلى حمدي ) هي اللي تقدر تجيب سعاد حسني مقابل مبلغ 300 جنيه على ما أذكر وأن ( سعاد ) ما تحبش تتصل بمصريين وإنما اتصالاتها بتكون بأجانب أو عرب .
وعرضنا هذا الكلام على حسن عليش فأعطى تعليمات باستخدام ممدوح كامل مترجم اللغة الفرنسية في قسم المندوبين ليتظاهر بأنه فرنسي وعلى هذا الأساس يتصل بسعاد حسني .
وكان ممدوح في الوقت ده يعيش فعلاً تحت ستار أنه فرنسي في عملية أخرى خاصة بالإدارة، وعلى ذلك قمت باستدعائه وعرضت عليه الموضوع فأبدى استعداده وسلمته لمحمد كامل شوقي ليستخدمه وحصل تعارف بين ممدوح وسعاد حسني عن طريق ( ليلى حمدي ) المشهورة بـ ( رفيعة هانم ) وأعطاها 300 جنيه كنت قد سلمتها لـه من نقود قسم المندوبين واصطحبها إلى شقة مصر لجديدة وأجريت عملية الكنترول عليهما أثناء ممارسة العملية الجنسية معها .
وقد قمت أنا وأحمد الطاهر وصلاح شعبان بتنفيذ العملية من ناحية التصوير الذي تم بطريقتين الطريقة الأولى هي التصوير بكاميرا 35 مم والطريقة الثانية هي التصوير السينمائي 8 مم وكانت هذه أول مرة تستخدم فيها هذه الطريقة الأخيرة في عمليات الكنترول .
وكان أحمد الطاهر تولى التوجيهات في هذا الشأن بناء على التعليمات الصادرة لـه من حسن عليش، وقد فوجئت في ذلك اليوم بحضور ( صلاح نصر ) رئيس المخابرات إلى غرفة العمليات بصحبة حسن عليش وأشرفا على تنفيذ العملية وأنا استغربت من حضور ( صلاح نصر ) وكان حضوره مفاجأة لي لأن دي كانت أول مرة يحضر فيها بنفسه تنفيذ عملية كنترول ومحدش قال لي أنه جاي وكان يعطينا تعليمات بإتقان التصوير .
وقبل وصول ( صلاح نصر ) وحسن عليش حضر لنا محمود كامل شوقي كما أن يسري الجزار حضر العملية أيضاً وكان جاي معايا ولاحظت أثناء تنفيذ العملية أن صلاح نصر أصدر أمراً ليسري الجزار ومحمود كامل شوقي باقتحام غرفة النوم وضبط ( سعاد حسني ) متلبسة وقد تم ذلك فعلا ً.
وعقب ذلك تم اصطحابهما بمعرفتهما وبناء على أوامر من ( صلاح نصر ) أيضاً إلى مبنى الاستجواب بإدارة المخابرات وإيهامهما بأن الشخص الذي كان معها وهو ممدوح كامل هو جاسوس فرنسي وعرض عليها يسري الجزار في مبنى الاستجواب أن تعمل مع المخابرات مقابل ستر فضيحتها وقد وافقت على ذلك وحررت بناء على طلب يسري تقريراً بواقعة وظروف تعرفها بممدوح كامل حتى القبض عليها ونموذج شخصي مطبوع يحرره المندوبون ويحتوي على بيانات شخصية عن المندوب وهو نموذج أشبه بالكراسة ويعرف عندنا باسم P.R.Q . ونموذج آخر مطبوع عبارة عن إقرار بالموافقة على العمل مع المخابرات يحرره المندوبون أيضاً .
وأعطاها يسري الجزار تعليمات بأن يكون اتصالها في العمل بمحمود كامل شوقي وهو اللي يعطيها التوجيهات اللازمة بخصوص العمل وقد تولى محمود كامل شوقي وصلاح شعبان بعد ذلك توصيلها لمنزلها وجابوا منها الفلوس اللي كانت أخدتها من ممدوح كامل وهي 300 جنيه كما سبق أن ذكرت وسلموني المبلغ ورجعته للخزينة تاني .
وفي نفس اليوم بعد انصراف ( سعاد حسني ) تقابل حسن عليش مع ممدوح كامل وشكره على المجهود اللي عمله وقال لي أن المدير ( صلاح نصر ) أمر لـه بمكافأة قدرها مائتي جنيه وكانت الفلوس مع حسن عليش وسلمها في وقتها لممدوح .
وأنا تقديري الشخصي لهذه العملية الخاصة بـ ( سعاد حسني ) أنه لم يكن ثمة ما يدعو لاقتحام الغرفة عليها أثناء وجودها مع ممدوح والاكتفاء بمواجهتها بالصور التي حصلنا عليها من عملية الكنترول خاصة وأن الاقتحام تم أثناء ممارسة أوضاع جنسية وكانت سعاد عريانة وأذكر أنه في مرحلة من مراحل العملية كانت ( سعاد ) وممدوح متغطيين بملاية وكان ذلك من ضمن الأسباب التي دفعت إلى التفكير في الاقتحام إنما هذا لا يمنع من أننا التقطنا لهم صور قبل ما يتغطوا بالملاية ، وقد كانت هذه العملية الخاصة بـ ( سعاد حسني ) هي أول عملية نلجأ فيها إلى هذا الأسلوب في التجنيد وهو ضبطها متلبسة .
والحكاية دي بما لها من انعكاس على نفسيتها جعلتنا أنا ومحمود كامل شوقي نفكر في أننا نصلح نفسيتها في الأول قبل ما نشغلها حتى يكون عملها بدافع وإيمان وليس فقط تحت تأثير الخوف وعرضنا هذا الأمر على حسن عليش فوافق عليه ولذلك رحت أنا وهو ومحمود كامل شوقي عندها في البيت بعد كده وقدم لها حسن عليش بعض هدايا عبارة عن ساعة يد وراديو ترانزستور .
وكان المفروض كما سبق أن ذكرت أن يكون اتصالها في العمل بمحمود كامل شوقي وفعلاً كان يتصل بها تليفونياً وتمت مقابلات بينهما حسب علمي منه واستمر الحال على هذا النحو حوالي شهرين أو ثلاثة وبعد ذلك سافر في مأمورية بالخارج فأعطاها قبل سفره تعليمات بأن يكون اتصالها بي وكلمتها في التليفون مرة أو اثنين وقابلتها مرة واحدة في الشارع وكانت هي في عربيتها وأنا في عربيتي كما تتم عادة المقابلات السرية للمندوبين واتكلمت معاها حولي ربع ساعة وأعطيتها تلقين بأنها تعيد اتصالاتها بالأجانب والشخصيات اللي كانت متصلة بها قبل كده لأننا لاحظنا أنها بعد العملية التي أجريناها معها بدأت تحد من خروجها واتصالاتها .
وبعد كده كنت باتصل بها أنا ومحمود كامل شوقي بعد عودته من الخارج وماكناش بنلاقيها لأنها كانت مشغولة في بعض الأفلام واحنا كمان انشغلنا وسافرنا إسكندرية للاستعداد لمؤتمر القمة وكان معانا حسن عليش في إسكندرية وسألنا عن اتصالنا بـ ( سعاد ) فأوضحت لـه الصورة واننا مش عارفين نتصل بيها فقال لي هي موجودة هنا والا في مصر فقلت لـه ما اعرفش فقال لي أنا اعرف انها نازلة في المعمورة ورحنا سوا على هناك وسألنا عنها وتبين أنها موجودة هناك فعلاً وقابلناها وأعطاها حسن عليش توجيهات بخصوص انها تعمل معنا أثناء مؤتمر القمة الذي عقد في الإسكندرية في صيف 1964 فقالت انها مشغولة وحاتحاول واللي حصل انها لم تتصل رغم ان محمود كامل شوقي اتصل بها أيضاً بعد ذلك في القاهرة لتأكيد الأمر ووجوب مساهمتها معنا في تغطية مؤتمر القمة وقالت لـه اننا قابلناها في اسكندرية وكلمناها في نفس الموضوع .
وبعد حوالي شهر في أواخر صيف سنة 1964 اتصل بي يسري الجزار وقال لي هي ( سعاد حسني ) اسمها إيه بالكامل فقلت لـه ما اعرفش ولم يفصح لي عن الغرض من هذا السؤال ولكن أعقب ذلك أن اتصل بي حسن عليش وأعطاني تعليمات بوقف الاتصال بها نظراً لكونها تردد انها على اتصال بالمخابرات مما يخل بأمن الجهاز وأنا بدوري نقلت هذه التعليمات لمحمود كامل شوقي كما أن حسن عليش اتصل به بعد ذلك وأكد لـه هذا الكلام وفعلاً قطعت أنا ومحمود اتصالنا بها نهائياً ومن وقتها ما اعرفش عنها حاجة ولم تقم بأي مجهود للمخابرات خلال فترة اتصالها بنا وبالتالي لم تتقاض أي مكافآت .
وأعقب عملية ( سعاد حسني ) عملية أخرى خاصة بـ ( شريفة ماهر ) في أواخر سنة 1963 بعد كنترول ( سعاد حسني ) بحوالي 15 يوم وقد صدرت الأوامر بخصوص هذه العملية من حسن عليش حيث اتصل بي وكلفني بعمل كنترول على ( شريفة ماهر ) بالاشتراك مع محمود كامل شوقي وقال لي أنه اتصل بالأخير أيضاً وأعطاه التعليمات اللازمة .
لم يوضح لنا حسن عليش الغرض من هذه العملية واحنا أيضاً لم نسألـه على أساس ان ده أمر صادر منه يتعين تنفيذه حسب مبادئ المخابرات التي تقتضي أن تكون المعرفة على قدر الحاجة ولم تكن ( شريفة ماهر ) من ضمن المرشحات من قبل للتجنيد ، ولذلك لم يكن الغرض من هذه العملية واضحاً لي .
وبناء على هذه التعليمات الصادرة من حسن عليش اتصل محمود كامل شوقي بالمندوبة ريري التي كانت على معرفة بـ ( شريفة ماهر ) فاتصلت بها واتفقت معها على موعد لتقديمها لأحد الليبيين لأنها برضه مكانتش بتحب تطلع مع مصريين ووقع اختيارنا بعد عرض الأمر على حسن عليش على كمال عيد المترجم بالإدارة ليمثل دور الليبي لأن شكله يساعد على ذلك ولـه أقارب ليبيين ويعرف لهجتهم وكان الاتفاق على أن تتقاضى ( شريفة ماهر ) مبلغ مائة جنيه وقد تم صرف هذا المبلغ من نقود المندوبين وسلمه محمود شوقي لريري بإيصال لتسليمه لـ ( شريفة ماهر ) .
وفي الموعد المحدد حضر كمال عيد مع المذكورة إلى شقة العمليات بمصر الجديدة وكنت أنا وأحمد الطاهر في غرفة العمليات ولحق بنا محمود كامل شوقي ثم فوجئنا بحضور ( صلاح نصر ) مع حسن عليش ولم أكن أعلم بأن ( صلاح نصر ) سوف يحضر ولا حسن عليش ولذا استغربت وافتكر أن حسن عليش قال يومها تبريراً لحضور ( صلاح نصر ) انه عاوز يشوف بنفسه العمليات ماشية ازاي .
ولم تتم عملية كنترول كاملة على ( شريفة ماهر ) في ذلك اليوم نظراً لكونها قالت لكمال عيد ان عندها الحيض والظاهر انها كانت عاوزة تضحك عليه وأخذنا لها بعض صور وهي معاه في الأوده لكن محصلش عملية جنسية وكانت واخده الفلوس مقدماً كما سبق أن ذكرت واستولت عليهم وقد أصدر ( صلاح نصر ) شخصياً تعليمات لنا في ذلك اليوم بضرورة أن تتم عملية كنترول كاملة لـ ( شريفة ماهر ) وأنها لازم تيجي تاني لإجراء هذه العملية عليها .
وبناء على ذلك أعاد محمود كامل شوقي الاتصال بريري لتتصل بالمذكورة ولكنها أي ( شريفة ماهر ) اشترطت أن تحصل على نقود أخرى وهي مبلغ مائة جنيه أيضاً على ما اذكر وتم صرف هذا المبلغ من نقود قسم المندوبين لريري بإيصال بعد التصديق على ذلك من حسن عليش وقامت ريري بتسليم المبلغ لـ ( شريفة ماهر ) وكان ذلك بعد أيام من العملية الأولى .
وحضرت ( شريفة ) مع كمال عيد إلى الشقة وتمت عملية كنترول كاملة لها أثناء عملية جنسية بينها وبين كمال عيد، وقد توليت أنا وأحمد الطاهر وصلاح شعبان تنفيذ العملية ولم يحضر ( صلاح نصر ) أو حسن عليش في ذلك اليوم وتسلم أحمد الطاهر الأفلام وكانت 35 مم سينما .
وبعد فترة وقبل انعقاد مؤتمر القمة قلت أنا ومحمود كامل شوقي لحسن عليش أنه مادام عندنا كنترول لـ ( شريفة ماهر ) فنحاول نجندها علشان نستفيد منها ولكن حسن عليش رفض الفكرة وقال: "مش كل العمليات اللي تقوموا بيها تستفيدوا انتم منها" وان العمليات لخدمة الجهاز كله ولم يفصح أيضاً عن الغرض الذي من أجله أجريت عملية الكنترول للمذكورة .
وفي يناير سنة 1964 اتصل بي حسن عليش وكلفني بعمل كنترول على ( برلنتي عبد الحميد ) ولم يفصح أيضاً عن الغرض من هذه العملية وان كان طلب قبل كده بحوالي شهرين إننا نعمل عملية تسجيل في شقتها إذ ان هناك ناس بيترددوا عليها لم يفصح عنهم واجتماعات مريبة تجرى في شقتها وأجرنا فعلاً شقة أسفل شقتها لإجراء التسجيل ولكن لم نتمكن لعقبات فنية ولما طلب حسن عليش بعد كده عمل كنترول عليها اتصلت بمحمد كامل شوقي وأبلغته بهذا الأمر ووقع اختيارنا على المترجم ممدوح كامل نظراً لأنها أيضاً تفضل الخروج مع الأجانب الغربيين وعلى أساس انه يظهر أمامها بانه فرنسي .
وحصل اتصال المندوبة ريري وبين ( ليلى حمدي ) على أساس أن الأخيرة على اتصال بـ ( برلنتي ) وقد علمت ريري من خلال هذا الاتصال ان ( برلنتي ) مابتاخدش فلوس وانما تفضل الهدايا وعرضت الموضوع على حسن عليش ووافق على اننا نشتري لها هدايا في حدود مائتي جنيه وقام محمود كامل شوقي بصرف هذا المبلغ من فلوس المندوبين للمندوبة ريري التي قامت بشراء أسورة ذهب ومصحف وخاتم دهب وحصلت مقابلة بين ممدوح كامل و( برلنتي ) عن طريق ( ليلى حمدي ) في عربية ممدوح وعرض على ( برلنتي ) الهدايا ولكنها رفضت تاخدهم وأعادهم لي ممدوح بعد ذلك فاحتفظت بهم وبعدين سلمتهم لحسن عليش .
ولما ( برلنتي ) رفضت تاخد الهدايا قالت لممدوح انها مش عاوزة منه حاجة وتبقى فيه علاقة صداقة بينهم وفعلاً اتصل بها أكثر من مرة وسهروا في أماكن عامة وكان يظهر لها انه غني ثم أخبرني بعد ذلك بأنها عاوزة تتجوزه ــ وانا أعطيته تعليمات بأنه يستمر على اتصال بها ويستدرجها لشقة العمليات تمهيداً لعمل الكنترول عليها وكان ذلك بناء على تعليمات صادرة لي من حسن عليش وفعلاً تمكن ممدوح من إحضارها للشقة ولكنها جابت معاها اختها وكان المفروض انه ياخد معاه فلوس كثيرة في هذا اليوم لتعزز ما يتظاهر به من ثراء ولكني لم اعطيه الفلوس وقلت لـه اني حا احطهم لـه في الشقة في مكان معين تحت مفرش أودة السفرة ــ وأنا فضلت ذلك لأني خفت من ان الفلوس تقع منه على ما اذكر .
وفعلاً حطيت لـه أنا وأحمد الطاهر مبلغ خمسمائة جنيه تقريباً من فلوس قسم المندوبين تحت المفرش وحضرت ( برلنتي ) معه للشقة ومعاها اختها كما سبق أن ذكرت ودخلت معاه أودة النوم وهزر معاها شوية وفتح لها سوستة الفستان اثناء وجود اختها خارج الحجرة وكنت انا وأحمد الطاهر بنصور وأخدنا لها صورتين فقط 35 مم إحداها أثناء فتح سوستة الفستان والأخرى وهو بيشدها عليه ولم تحصل عملية جنسية وممدوح وراها الفلوس اللي كنت حاطتها لـه وبعد انصرافهم من الشقة دخلت أنا وأحمد الطاهر علشان أخد الفلوس تاني فوجدت ان المبلغ ناقص 360 جنيه وافتكرت في الأول ان ممدوح اخدهم في جيبه ولكنه لما رجع لنا قال لي انه ما اخدش حاجة فشكينا في ان تكون شقيقة ( برلنتي ) هي التي استولت على ذلك المبلغ أثناء انشغال ممدوح مع اختها واقترحت على ممدوح انه يتصل تليفونياً بـ ( برلنتي ) ويهددها لتعيد لـه المبلغ وقام أحمد الطاهر بتسجيل المكالمة .
ولكن ( برلنتي ) أنكرت وبلغنا حسن عليش فزعل من اللي عملناه وأخذ يلوم أحمد الطاهر ويقول لـه ازاي تعمل تسجيل بدون إذني وقال لنا إيه يعني 360 جنيه دي عملية مهمة وواحدة زي ( برلنتي ) لما نجندها نستفيد منها بأضعاف هذا المبلغ وأعطى تعليمات لممدوح كامل بأنه يستمر على علاقته بها لغاية ما نعمل كنترول ولكن أنا كنت متغاظ من ضياع المبلغ فكلفت ممدوح بأن يتصل بها مرة أخرى ويهددها بإبلاغ السفارة بتاعته باعتبار انه تظاهر أمامها بأنه فرنسي فطلبت منه أن يقابلها والظاهر انها خافت فأعطته المبلغ في المقابلة وقد تمت في البيت عندها وكان هو نفس المبلغ الفاقد لأنها كانت فلوس جديدة وأرقامها مسلسلة وقد تسلمتها من ممدوح بعد ذلك وأعدتها للخزينة وبلغت حسن عليش فقال لي يبقى مش حانقدر نتصل بيها تاني وانتهى الموضوع على كده .
(إمضـــاء)
حامد عبد الرحمن
ملحوظة :
اكتفينا بهذا القدر من استجواب المذكور ووقع في نهاية أقوالـه على أن نواصل استجوابه مساء الجمعة
تمت الملحوظة رئيس النيابة
(إمضـــــــاء)
وأقفل المحضر على ذلك عقب إثبات ما تقدم حيث كانت الساعة 2,10 من صباح يوم الجمعة الموافق
رئيس النيابة
(إمضــــــــاء)
* * *
في الشارع الجانبي المقابل لمحل البضائع المنزلية الكبير والمزدحم عن آخره بالبشر وقف ( حامد ) وصاحبه يدخنان سيجارتي بانجو في انتظار عودة الطفلين اللذين اندسا داخل زحام هذا المحل لأخذ ما يمكن أخذه من محتويات الحقائب الحريمي وجيوب الرجال .
عاد الطفلان بنقود كثيرة أخذها ( حامد ) وأعطى كلا منهما خمس جنيهات
ـ يالا ياله انت وهو اخلع
انصرف الطفلان ودون أن يعد النقود أخرج ورقة بعشرين ومد يده بها لصاحبه
ـ عشرين جنيه ؟ .. انت ها تستهبل .. إقسم الفلوس
شخر ( حامد )
ـ أقسّم مين ياله ؟ .. خذ العشرين جنيه وإخفى ...
ـ إيه ياعم حامد ؟ .. دا أنا إللي جايب العيلين .
ـ يا شرموط إفهم .. كانت الدنيا غامضة فظهر برميشور فخلق الماء وألقي فيه النطفة فأصبحت بيضة فخرج منها برهما وكسر البيضة نصفين فخلق من أحدهما الجنة ومن الثاني الأرض والسماء وما بينهما ثم أخرج من فمه البراهمة ومن عضده الكشتري ومن فخذه الويش ومن رجله الشودرا فما دام برهما مستيقظا فالدنيا باقية ، فإذا أخذه النوم تقع القيامة .. بعد ده كله تقولي عيلين ؟ .. عيلين مين يا أبو عيلين ؟ .. دا أنا إللي مأمّن عليهم جوه المحل
ـ مأمّن عليهم إزاي ؟
ـ أيوة .. الواد أمين إللي بيشتغل في المحل تبعي وهو إللي كان بيأمّن عليهم عشان لو حصل حاجة .. مش لسه ها احاسبه بالليل ؟ ...
ـ أمين مين يا عم هو أنت تعرف حد جوه خالص ؟! .. بقولك إيه يا حامد ما تشتغلنيش .. إقسم الفلوس أحسن لك ...
ـ أحسن لمين يا بن الوسخة ؟ .. مالك يا عرص
أخرج صاحبه المطواة من جيبه الخلفي وفتحها بسرعة بينما أمسكه ( حامد ) بقبضتيه من صدره وجذبه بشدة ثم لكمة فجأة في وجهه بقوة فما كان من صاحبه إلا أن نزل على خده بالمطواة ففتح مجرى دمائي طويل في وجهه .. أخرج ( حامد ) المطواة ودمائه تتساقط بغزارة على ملابسه ثم ضرب بركبته ما تحت بطن صاحبه ودفعه بقوة ليسقط على ظهره ثم نام فوقه ورفع المطواة ونزل بها على إحدى عينيه فأحدث مكانها ثقبا عميقا تفجرت منه الدماء بشدة .. ظل صاحبه يصرخ بجنون وهو يمسك بعينه المخرومة بينما نهض ( حامد ) من فوقه وانطلق يجري بسرعة .
بعد ساعات قليلة كانت مجموعة كبيرة من الرجال يحملون السيوف والسنج والمطاوي والزجاجات الحارقة يقتحمون حارة ( حامد ) الذي ترك شقته وصعد سريعا إلى السطح حيث يمكنه القفز إلى سطح منزل مجاور والاختباء من هذا الجيش الذي جاء أفراده للانتقام لعين صاحبهم والذين لم يسعفهم الوقت حيث فوجئوا أثناء بحثهم داخل الحارة والبيت عن ( حامد ) بعربة أمن مركزي معبأة عن آخرها بالعساكر وعربتي شرطة تسد جميعها مدخل الحارة الذي لم تمر مدة طويلة حتى وبدأ المخبرون والعساكر يخرجون منه ممسكين بحاملي الأسلحة والزجاجات واحد تلو الآخر ويقذفون بهم داخل ( البوكس ) عدا ( حامد ) الذي لم يظهر في المنطقة بعد ذلك لفترة طويلة
* * *
وهو يأخذ ( مج ) الشاي وباكو البسكويت من المطبخ إلى جوار الكيبورد يكون ( سوبر ماريو ) دائخا دائما .. ( سوبر ماريو ) دائخا دائما لأنه دائما لا ينام بشكل جيد ، وربما لأنه مريض بالـ ( نيورشنيا ) / النهك العصبي أو بالوسواس القهري أو بأنواع مختلفة غير محدودة من الرهّاب .. والأهم أنه يكون دائخا دائما لأنه موجود هكذا فحسب .
أدخل إلى الإنترنت .. أفتح بالترتيب :
ماسنجر الهوت ميل
ماسنجر الياهو
بريد الياهو
بريد الهوت ميل
الفيس بوك
موقع دروب
الحوار المتمدن
مدونتي على بلوجر
النهار اللبنانية
السفير
الزمان
الوعي المصري
مدونتي على إيلاف
إيلاف
أوكسجين
ملتقى مدد
الامبراطور
جهة الشعر
وسع خيالك
جبهة التهييس الشعبية
كيكا
الـ بي . بي . سي ارابيك
يو تيوب
الروائي
اليوم السابع
...............................
...............................
على ( سوبر ماريو ) حين ينتهي بعد الظهر من جولته اليومية داخل هذه البيوت الافتراضية وبيوت أخرى قد تضاف إليها حسب الظروف أن يكون قد حصل على حلول حاسمة وأبدية للمشكلات التي تتلذذ منذ سنوات طويلة بالعيش بداخله وتعذيب أعماقه بآلام كثيرة جدا .. إحدى هذه المشكلات هو أنني لست ( أخطبوطا كونيا ) .. لم أتتبع كافة تفاصيل كل لحظة مرت على العالم منذ بدايته وحتى نهايته .. لم أقبض على كل شيء .. جميع الأحداث .. الأفكار .. المشاعر .. لم أحصل على كل التجارب وكل الخبرات التي أمكنها الدخول في نطاق كل وعي إنساني عاش تحت هذه السماء وفوق هذه الأرض منذ بداية السماء وبداية الأرض .. لم أمسك بكل قرار أنتجه التاريخ وأخضعه لتأملي الخاص .. لم أزرع جلطة الشك داخل قلب كل إجابة عن الحياة والموت .. لم أمتلك الحصيلة الكاملة لكافة الحواس الموجودة لدى جميع الكائنات .. لم أعش كل الحيوّات وأمت كل الميتات .. لم أكن حاضرا في كل مكان وفي كل زمان وبديلا لكل شيء يتنفس .
إحدى المشكلات أيضا هو أن ( سوبر ماريو ) لم يكتب كل النصوص ويرسم كل اللوحات ويؤلف كل الموسيقى ويمثّل كل الأدوار ويغني كل الأغنيات التي أنتجها كل البشر .. لم أكن كل إنسان أراد أن يفعل شيئا يتجاوز به الحدود العادية للمكان والزمن .. لم أكن موجودا داخل روح وعقل ودماء كل شخص قرر أن يمارس تحرره الشخصي بالكلمة واللون والنغمة والحركة والصوت .. وهناك مشكلة شرسة أخرى .. أن ( سوبر ماريو ) ليس مجرد أنه لم يتمكن من أن يكون هكذا فحسب بل أنه حتى على أقل تقدير لم ينجح في أن يقرأ كل النصوص ويشاهد كل اللوحات ويستمع إلى كل الموسيقى ويتفرج على كل الأدوار ويسمع كل الأغنيات التي أنتجها كل البشر منذ الإنسان الأول وحتى الإنسان الأخير .
إلى هذا الحد يدرك ( سوبر ماريو ) المدى الهائل لنقصانه الفردي .. النقصان الذي لايمكن إكماله إلا بالحصول على تاريخ العالم بأكمله .. يدرك الكم اللامحدود للفراغ الذي يسكنه .. الفراغ الذي لايمكن ملأه إلا بامتلاك كل كبيرة وصغيرة تخص الدنيا .. يدرك العمق الغير منتهي للضعف الذي يتحكم فيه ويسيطر عليه .. الضعف الذي لا يمكن قهره إلا بأن يكون عارفا بكل شيء حدث على وجه الأرض .. كل شيء .. ( سوبر ماريو ) يدرك بالتالي أن احتياجه القاتل لكل هذا هو بالضرورة تعبير عن الاحتياج المشابه عند كل إنسان لنفس الأشياء .. إثبات لطبيعة مشتركة ينتمي إليها كافة البشر تم تجهيزها بإتقان كي تحولّك مأساة الرغبة واليأس المتواصلة ببطء إلى أشلاء صغيرة جدا .. إلحاح غريزي لم يتم إشباعه أبدا ولو للحظة واحدة وبالتالي لم يتوقف ولو للحظة واحدة عن تعذيب الناس الذين أراد كل واحد منهم أن يكون أخطبوطا كونيا ويتحسر طوال عمره بمنتهى الألم وبطريقته المختلفة والخاصة جدا على أنه ليس كذلك .. ليس عارفا بكل شيء .. المعرفة الكاملة التي لن تحوله إلى إله أو إلى ملاك أو إلى شيطان ولكنها فقط التي ستضع حدا نهائيا وخالدا لكونه إنسانا مع الاحتفاظ بكامل إنسانيته .. الدراية التامة التي لن تجعله يعيش كما تعوّد أو يموت كما تعوّد بل ستمنحه نوعا من الخلاص المبهم الذي لن تكون الأمور بعده كما كانت من قبل .. ربما الخلاص الذي سيجعله قادرا على أن يفعل شيئا استثنائيا للغاية يقوده إلى نجاة حقيقية أكيدة .. نجاة حقيقية أكيدة .. ليس انتهاءً سعيدا للعبة .. ( سوبر ماريو ) لا يتوقع هذا وإنما على الأقل حدوث تغيير جذري في شروطها وقوانينها وقراراتها .. ألا تجعل ( سوبر ماريو ) يغادر اللعبة أويستمتع بالتحكم في كل تفاصيلها وأحداثها ونتائجها .. لكن تجعله على الأقل راضيا .. ( سوبر ماريو ) لا يمانع في اللعب ولكن دون أن يكون كما هو الآن .
ومع ذلك ...
كل هذا غير صحيح .. ( سوبر ماريو ) يريد بالأساس أن يتحول إلى إله ولكن هذه المرة دون أن يخلق ( سوبر ماريو ) آخر كي يقول له أعبدني حتى أدخلك الجنة ولا أدخلك النار بينما يراقب بداية تحركه على الشاشة .. ( سوبر ماريو ) لا يريد بالتأكيد الاحتفاظ بانسانيته بل يريد خلاصا يجعله يعيش للأبد في سعادة كاملة لا ينقصها شيء .. لا يريد النجاة بل يريد أن تنقلب كافة المعادلات الكونية كي يفقد الإله الحماية المطلقة التي يتمتع بها وتتمزق أعماقه بالخوف والفزع والرعب طوال الوقت وهو يتمنى ويرجو ويتوسل كي يحصل على النجاة من حساب ( سوبر ماريو ) وعقابه له ـ ألن يرغب أشد الناس إيمانا وأكثرهم حبا للإله في محاسبته وعقابه إذا ما جاءتهم الفرصة والقدرة على تبادل أدوارهم معه .. ( سوبر ماريو ) لا يريد أن تحدث أية تغييرات في اللعبة .. ( سوبر ماريو ) لا يريد أن يلعب .
( سوبر ماريو ) يعرف أنه لن يكن أبدا أخطبوطا كونيا ذات يوم ، وبالطبع .. بالطبع لن يكون إلها مختلفا يمتلك الحد الأدنى من المنطق الأخلاقي الذي يمنعه من أن ينتج أشياء تتألم ثم يبرر ذلك بالأسباب التي تجعله وحده فحسب غير قابل لأن يصيبه أي قدر من الأذى ، وبالطبع لن يكون إلها تقليديا .. ( سوبر ماريو ) يعرف أنه حتى لو تحول إلى أخطبوط كوني أو إلى إله فلن يحدث شيء .. أي شيء خارج اللعبة .
تبقى المشكلة الأكبر والأعظم والأشرس وهي أن ( سوبر ماريو ) يمتلك بالفعل حلولا حاسمة وأبدية للمشكلات التي تعذبه .. ( سوبر ماريو ) يعرف أنه ليس في حاجة لأن يحصل على تاريخ العالم بأكمله حتى يصبح أخطبوطا كونيا .. يعرف أنه أخطبوط كوني بالفعل لمجرد أنه بمنتهى البساطة يعيش حياته التقليدية .. يجرّب كل ما أتيح له .. ما سُمح له أن يقابله .. ما صادفه منذ لحظة ميلاده وحتى لحظة موته .. يمارس وجوده العادي في الدنيا كأي كائن آخر باعتبار أن داخل هذا الوجود العادي يوجد الوجود بأكمله وأن داخل المكان المحدود الذي تخطو بداخله تكمن الأماكن كلها وأن داخل الزمن الضئيل الذي يمر بك تكمن الأزمنة كلها .. أنت تحمل تاريخ العالم لمجرد أنك أنت فحسب ودون حاجة لأسباب أخرى .. ( سوبر ماريو ) يعرف أنه أخطبوط كوني لأنه في نفس الوقت لا يفهم شيئا .. غير مقتنع وغير قادر على الاستيعاب أو التأكد من الحياة والمكان والزمان .. لا يصدق وجوده الشخصي وبالتالي لا يصدق الوجود ذاته .
أيضا ـ وبالضرورة كنتيجة لما سبق ـ أنا مقتنع كذلك بأنني حينما قررت أن أكتب عن العالم كما أفكر وأشعر به فكأنني كتبت كل النصوص ورسمت كل اللوحات وألّفت كل الموسيقى ومثّلت كل الأدوار وغنيت كل الأغاني .. لأنها ـ أي الكتابة ـ رغم كونها نتاج تجربتي الخاصة التي لم يجربها أحد غيري وبالتالي لن يتمكن أي آخر من أن يكتب عنها مثلي فهي في نفس الوقت هي تجربة كل آخر يشاركني العيش تحت نفس السماء وفوق نفس الأرض وبالتالي تعيش بداخله نفس الإنسانية التي تعيش بداخلي حتى لو كانت بأشكال ومظاهر وانحيازات مختلفة وإنما تؤدي جميعها إلى ذات الأسئلة الواحدة الأزلية للغز الواحد الهائل .
على هذا فإن ( سوبر ماريو ) يستطيع أن يؤكد بأنه حينما يقرأ نصا أو يشاهد لوحة أو يستمع إلى موسيقى أو يتفرج على دور أو يسمع أغنية فكأنه قرأ كل النصوص وشاهد كل اللوحات واستمع إلى كل الموسيقى وتفرج على كل الأدوار وسمع كل الأغاني .. لأن النص الجميل الواحد الذي يحبه يحمل في أعماقه كافة النصوص التي لم يقرأها ونفس الأمر ينطبق على اللوحة والموسيقى والدور والأغنية .. النص الجميل تأكيد متجدد على الكم البديهي من النصوص التي لا حصر لها على مدار الزمن التي لم تقرأها بسبب السلطة المنطقية للجغرافيا والوقت .. النص الذي تحبه هو الوعاء الذي يحوي النصوص الجميلة الأخرى التي لا تعرف عنها شيئا والتي كنت ستحبها لو قرأتها .. هو انفلات من الحياة والموت تجري في عروقه دماء خبرات الانفلات الأخرى من الحياة والموت .. دماء الانفلات ذاته .
مشكلة ( سوبر ماريو ) الكبرى أنه يمتلك بالفعل حلولا حاسمة وأبدية
للمشكلات التي تعذبه .. الحلول التي كلما وقف في النافذة أو مشى في الشارع أو ذهب إلى المقهى أو جلس أمام التليفزيون أو اشترى جريدة أو كلما قرأ نصا جميلا أو شاهد لوحة جميلة أو استمع إلى موسيقى جميلة أو تفرج على دورا جميلا أو سمع أغنية جميلة أو كلما جلس كي يكتب شيئا .. الحلول التي كلما فعل أي شيء تنزف بشكل تلقائي جدا .
( سوبر ماريو ) يطفيء الكومبيوتر وينهض ليقف في الشرفة .
* * *
( حامد ) يؤمن بأن لديه موهبة .. الآخرون أيضا يؤمنون بأن لديه الموهبة .. ليست مجرد مهارة يمكن تعلمها ورعايتها والتدريب المتواصل عليها حتى تصبح بارعا في أداءها .. هي أكبر وأعظم من ذلك بكثير .. هي موهبة ولا شيء آخر غيرها .. هدية إلهية يمنحها الله فقط لمن يحبهم ويرضى عنهم ويريد لهم الخير في الدنيا والآخرة ويختبر في نفس الوقت حمدهم وشكرهم له بمدى قدرتهم على المحافظة عليها .
داخل الاستديو .. جلس ( حامد ) بجوار شاب في بداية العشرينات وأمام كلا منهما ورقة مكتوب فيها دوره في الحوار الذي سيقرأه داخل الإعلان .. بعد أن أشار ( حامد ) والشاب للمخرج باستعدادهما بدأ التسجيل :
( حامد : قاعد ليه ؟!!! .. ماتقوم .. البلد بتتحرك والناس بتدور على عمالة .
الشاب : لا .. أصل أنا معايا شهادة عليا ومش ...
حامد : إيه يعني شهادة عليا ؟!!! .. ما تشتغلش يعني ؟!!!
الشاب : لا لا أصل انت مش واخد بالك .. أنا ما اقدرش اشتغل عامل في مصنع .. أنا مكاني ...
حامد : مكانك في أي حتة تأكلك عيش .. يعني عاجبك منظرك ده ؟!!! .. ولا تشوف لك شغلانة تكسّبك ؟!!! .
الشاب : أيوة بس انت مش شايف ...
حامد : قوووم دا كله اتحرك وبيدوروا على ناس .. لوقعدت كده القطر ها يفوتك ... فيه واحد معاه شهادة ركب القطر وراح اشتغل .. وفيه واحد معاه شهادة فضل مستني الوظيفة وما اشتغلش .. الأولاني إللي اشتغل : الشغلانة جابت شغلانة ووصل ، والتاني : فاته القطر .. إنت مين فيهم ؟ .. إللي راح اشتغل وبقى كسيب ؟ ، ولا إللي فاته القطر ؟ .. اتصل بالرقم ده .. قوووم واشتغل .. قبل ما القطر يفوتك .. البلد بتتحرك ) .
بعد انتهاء التسجيل .. غادر الشاب الاستديو قبل أن يتوجه مخرج الإعلانات إلى ( حامد ) قائلا له : خمسة راحة وبعد كده نبتدي في تسجيل الإعلان التاني .
رد عليه ( حامد ) :
ـ أنا السيخي العظيم أؤمن أنه لا يوجد إلاَّ إله واحد، وليس كمثله شيء .. أؤمن أن الـ ( الغورو ) هو معلّم الكلّ .. الثواني والدقائق والساعات والأيام والفصول كلّها نتيجة من المصدر الوحيد نفسه .. المصدر نفسه الذي خلق الشمس ، وكلّ ما هو مخلوق صادر عن الإله .
بعد انتهاء ( الخمسة راحة ) .. عاد ( حامد ) للجلوس في مكانه وأشار للمخرج بأنه جاهز ثم بدأ التسجيل :
حامد : ( بورتو مارينا .. أضخم منتجع سياحي عالمي على ساحل البحر المتوسط .. بورتو مارينا .. مدينة متكاملة بها كل ما تتخيله وتحتاجه .. بورتو مارينا .. على بعد 230 كيلو فقط من القاهرة و100 كيلو من الاسكندرية .. بورتو مارينا .. ميناء يخوت يضم أكثر من 1400 يخت .. مدينة ملاهي مائية متكاملة .. شواطيء خاصة للسيدات .. أكثر من 15 مطعم عالمي إضافة للمطاعم المصرية واللبنانية والتايلاندية .. مول تجاري ضخم يحتوي على كافة الماركات العالمية والعديد من الكافيهات .. فنادق بها أكثر من 10 آلاف غرفة .. 5 مستشفيات للسياحة العلاجية يشرف عليها أشهر المراكز الطبية العالمية .. مدرسة خاصة لتعليم الغطس يعمل بها مدربون من سويسرا .. ملاعب جولف وتنس .. ملاعب خاصة بالأطفال من سن 4 إلى 12 سنة .. وقريبا في بورتو مارينا .. سيتم بناء مطار دولي سنة 2010 .. بورتو مارينا .. عاصمة السحر والجمال ) .
* * *
في البيت يجلس ( حامد ) مع أخته ( منى ) وحدهما يلفان السجائر ويدخنان .. بعد فترة نظر إليها مبتسما بتثاقل ورأسه تهتز ثم مد يده وأدخلها تحت مؤخرتها وقال :
ـ يا ترى بقى قد إيه دلوقت ؟
ـ هو إيه ده يا خول ؟
ـ الخرم يا واسعة
ـ في إيه يا حامد ؟ .. إنت ها تتسطل عليا ولا إيه ؟ .. فوّووووق
ـ مالك يابت ؟ .. دا أنا حتى بقالي مدة ما ادتهولكيش
ـ يالا يا عرص روح شوف لك خول زيك ينيكك
أطفأ سيجارته ثم تحرك فوق الكنبة مقتربا أكثر من ( منى ) التي مالت للخلف وهي تشخر وتضحك حتى نامت على ظهرها وأصبح هو فوقها تماما فقالت له :
ـ بقولك إيه ؟ .. أنا مش رايقالك
رد عليها ( حامد ) قائلا : أول ما كلم الرب هوشع قال الرب لهوشع اذهب خذ لنفسك امرأة زنى وأولاد زنى لأن الأرض قد زنت زنى تاركة الرب .
ثم بدأ يقبل رقبتها ويداه ترفعان جلبابها ثم أمسك بلباسها وبدأ يحاول إنزاله لأسفل .. مدت يدها سريعا وأقبضت على طرف لباسها العلوي بقوة لتمنعه من أن يخلعه لها ...
ـ حامد .. ما حبكش دلوقت يا حامد ...
ظل يشد اللباس حتى تراخت أصابعها فأنزله ثم اعتدل قليلا ليخلص قدميها منه تماما ويلقيه بعيدا .. أنزل ( حامد ) بنطلونه ولباسه .. كان عضوه واقفا فأمسكه وراح يفرك برأسه الشفتين السمينتين والمتلاصقتين أسفل بطنها ويدخل بينهما تدريجيا حتى تباعدتا تماما فأدخله كاملا وراح يتحرك لأعلى وأسفل بين فخذيها بقوة وهي تتوجع وتشتمه بينما تكمل رفع جلبابها حتى رقبتها كاشفة عن ثدييها الكبيرين اللذين حينما رآهما ( حامد ) دفس وجهه فيهما إلى أن أنزل وهدأت حركته تدريجيا حتى توقف ثم نهض من فوقها ورفع بنطلونه ولباسه وهو يلهث .. قالت له وهي تمسح نفسها من تحت وترفع لباسها :
ـ اسمع يا خول .. الدهب بتاع شقة الدكتور يكون عندي النهاردة ؟
ـ دهب إيه يا بت ؟
ـ الدهب إللي خدته من شقة الدكتور إللي كسرتها من يومين في مدينة السلام إنت و( ميمي العربي ) .. ما تصطعبطش عليا ...
ـ وانتي إيش عرفك إن كان فيها دهب ؟
ـ كان فيها يا روح أمك مع الفلوس والحاجات التانية إللي أخدتها وما لكش دعوة بـ ( ميمي ) هو واخد حقه ومرضي
ـ ( ضاحكا ) مش بقولك واسعة
ـ تعرف يا خول لو الدهب ما جاليش ؟ .. ما تلومش إلا نفسك يا حامد
أمسك برأسها من الخلف بقبضة واحدة وجذبها ناحيته ثم قبّلها في فمها بقوة وتركها وخرج .
* * *
( حامد ) صادق .. الصدق الذي يعني أن تتحدث مع الآخرين بما تؤمن به فعلا وتشعر به بقوة .. ( حامد ) يعرف أن العصر هو أجمل أوقات اليوم وأن البلكونة هي أجمل ما يناسب العصر وأن شرب الشاي هو أجمل ما يناسب البلكونة .. ( حامد ) يعرف أنه مسرور الآن مع العصر والبلكونة والشاي .. ( حامد ) يعرف أيضا أن عليه أن ينادي ابنه في تلك اللحظة ...
ـ أقعد يابني
يجلس الولد ...
ـ أنا عايز أسألك سؤال بس عشان خاطري ترد عليا بصراحة
ـ خير يا بابا
ـ إنت بتحبني ؟
ـ معقولة يا بابا تسألني سؤال زي ده .. طبعا بحبك
ـ يعني انت حاسس إن انا أب كويس ؟
ـ طبعا يا بابا ربنا يخليك لينا
ـ شوف يا حبيبي لازم تعرف إن كل همي في الدنيا دي إني أشوفك إنت ووالدتك واخواتك مبسوطين ومرتاحين في حياتكو وإني أطمّن على مستقبلكو من بعدي
ـ متقلش كده يا بابا ربنا يديك الصحة وطولة العمر
ـ اسمعني يابني أنا عايزك دايما تراعي ربنا في كل حاجة في دنيتك .. في دراستك .. أسرتك .. صحابك .. شغلك .. زوجتك .. ولادك .. في كل حاجة .. عارف ليه .. لأن طول مانت ماشي بما يرضي الله وما بتعملش حاجة تغضبه هاتلاقيه دايما معاك وبيساعدك وينجحك وبيقف جنبك في كل حاجة
ـ طبعا يا بابا ونعم بالله
ـ عارف إيه هي أهم حاجة يابني .. إن نيتك دايما تكون سليمة وقلبك صافي وبتعامل الناس خصوصا أقربهم ليك بحب واحترام عشان ربنا يفضل راضي عنك طول حياتك ويحميك دايما ويحفظك من كل شر
ـ عارف والله يا بابا من غير ماحضرتك تقول .. إطمّن
ـ أنا مطمّن ياحبيبي وعارف إنك مابتنساش أبدا إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا .. مش كده ؟
ـ بالظبط يا بابا .. بعد إذن حضرتك
ـ الله أبهى
ينهض الولد وينصرف بينما يبتسم ( حامد ) والسكينة تغطي ملامحه تماما قبل أن يرفع كوب الشاي إلى فمه ويرتشف منه ثم يرفع ابتسامة وجهه متطلعا بنشوة نحو السماء الممتدة .. السماء التي تغطيها السكينة أيضا .
* * *
انتهى صاحب محل الملابس الجاهزة من وضع القميص والبنطلون والحزام في كيس ثم أعطاه لـ ( حامد ) ...
ـ حسابك كام ؟
ـ خلي علينا
ـ متشكرين .. كام ؟
ـ يبقى كله 155 جنيه عشان خاطرك
أخرج ( حامد ) ورقة بمائة ومدها لصاحب المحل قائلا :
ـ كده كويس ؟
ـ كويس إيه ؟ .. بقولك 155 جنيه
ـ وانا بقولك كده كويس
ـ 100 جنيه ؟
ـ آيوة 100 .. ماشي ؟
ـ ماشي إيه ؟ .. انت بتهرج .. ؟ .. هات ياعم الكيس ده
وأمسك بطرف كيس الملابس الذي يمسكه ( حامد ) وجذبه لكن ( حامد ) أقبض عليه جيدا وقال له :
ـ نزل إيدك دي يالا بدل ما أقطعهالك .. لما آقولك 100 جنيه كويس يبقى تاخدها وانت ساكت
استمر صاحب المحل في جذب الكيس وقال :
ـ وأنا بأقولك سيب الكيس أحسن لك
أمسكه ( حامد ) من ملابسه وقال :
ـ لو ما بعدتش إيدك ها أطلع دين أمك .. سيب الكيس يالا
ترك صاحب المحل الكيس وأمسك بملابس ( حامد ) بقوة وصرخ :
ـ يا ناس .. إلحقوني .. حرامي .. إلحقوني يا ناس .. حد يطلب البوليس ...
تدافع المارة وأصحاب المحلات المجاورة نحو المحل وأمسكوا ( حامد ) .. قال أحدهم :
ـ خليكوا مسكينوا أنا ها أطلب بوليس النجدة
قال ( حامد ) :
ـ استنى .. بوليس على إيه يا عم الحاج ؟ .. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون .. أنا ما سرقتش حاجة ومعايا فلوس آهي ( وهو يشير بالمائة جنيه ) .. مش إللي بيشتري حاجة بيفاصل في تمنها ؟ .. إوعى ياعم خد حاجتك آهي ومش عايز اشتري ...
ثم ترك كيس الملابس لصاحب المحل الذي اتجهت الأنظار ناحيته لمعرفة قراره .. قال :
ـ غور في ستين نصيبة وما شفش خلقتك هنا تاني
نظر إليه ( حامد ) بشراسة وقال له بتوعد :
ـ ماشي
واستمر يرددها وهو يغادر المحل دافعا في طريقه أجساد الواقفين في الداخل والخارج الذين ظلوا يراقبونه حتى غاب عن عيونهم .
في الثالثة بعد منتصف الليل وقف ( حامد ) يراقب الشارع حتى تأكد أنه خال تماما فاقترب حاملا ( جركن ) البنزين نحو محل الملابس ثم مد يده سريعا ليسكب ما به داخل المحل عبر الفراغ التحتي الفاصل بين الباب المقفول والعتبة ثم أشعل عود كبريت ورماه من تحت الباب وأسرع بالابتعاد لتبدأ النيران المتصاعدة مهمتها داخل المحل .
* * *
( سوبر ماريو ) يقف في شرفته .. ينظر إلى الناس في النوافذ والشارع ولا ينظر إليهم .. ( سوبر ماريو ) ينظر الآن إلى المهانة .. مهانته هو .. المهانة التي تملأ ذاكرته عن آخرها وتجوب أعماقه طوال الوقت ويراها بوضوح أمام عينيه في كل لحظة .. الأسرة .. الأقارب .. الجيران .. زملاء الدراسة والعمل .. الأصدقاء .. المعارف .. ( سوبر ماريو ) يفكر الآن في كثير من البشر الذين عرفهم خلال ثلاثين سنة .. يفكر فيهم بمنتهى الغضب والألم والرغبة الهائلة في الانتقام وشفي الغليل .. هو لا يفكر فيهم تحديدا بل في كافة النظرات الساخرة والابتسامات المستهزءة والكلمات المتهكمة واللاذعة التي أصابوه بها وتركت جروحا عميقة ومشتعلة لا تزال محتفظة بطزاجتها الشرسة داخل روحه .. يفكر في كافة المواقف والمناسبات والأحداث التي كان خلالها هو الأبله الساذج المثير للضحك .. العاجز عن التحدي أو المواجهة أو على الأقل التفادي والهرب .. الغير قادر على منع قدرة الآخرين عليه .. ذو الكرامة المبعثرة أشلاءها خاصة حين يحاول أن يقاوم فيظهر عجزه أكثر وضوحا وتأكيدا .. حين تحاول أن تثبت بأنك لست ضعيفا ولا خجولا ولا قليل الحيلة بل قادر على الاستخفاف بمن حولك وتوجيه الأذى إليهم بخبث كي تؤكد لنفسك ولهم بأنهم هم المغفلون فتثبت ببراعة أنك المغفل الوحيد .. ( سوبر ماريو ) يفكر في كل الكلمات والإيماءات وحركات الوجه وغمزات العين وإشارات اليدين والابتسامات المشدودة أطرفها لأعلى التي حاول بها أن يكون قاسيا ومخادعا محنكا وذو كبرياء يستحيل الاقتراب منه .. التي حاول أن يحمي بها نفسه فجعل الكل يوقن بأنه متاح وسهل ومتوفر كبضاعة رائجة .
لكن في المقابل ثمة صوت قوي داخل ( سوبر ماريو ) يتحدث إليه دائما ويقول له :
( لماذا تعذب نفسك هكذا ؟! .. أنت تدرك تماما بأنه لا يوجد أحد في العالم وعلى مدار الزمن لم يتعرض للإهانة بأي طريقة .. تدرك أيضا يا ( سوبر ماريو ) أنه لا يوجد شخص أيا كان من الأسرة والأقارب والجيران وزملاء الدراسة والعمل والأصدقاء والمعارف إلا وتعرف أنت عنه ما يجعله أبلها وساذجا ومثيرا للضحك .. لا يوجد أحد عرفته في حياتك وذبح كرامتك ذات يوم بسخريته واستهزاءه وتهكمه إلا وتحتفظ في ذاكرتك عن حياته الشخصية من المواقف والمناسبات والأحداث ما يبرهن ويثبت ويؤكد بشكل قاطع أنه ضعيف وقليل الحيلة ومغفل كبير .. أنت تدرك تماما أيضا أن كل شيء سينتهي .. كل الكائنات والأشياء ستذهب ولن يظل شخص ما باقيا إلى الأبد كي يذكّر الآخر بقدرته عليه دون توقف وإلى ما لا نهاية ) ...
فجأة يظهر الصوت الآخر القوي أيضا والملازم دائما للصوت الأول داخل ( سوبر ماريو ) يتحدث إليه ويقول له :
( لا يوجد أحد في العالم بالفعل وعلى مدار الزمن لم يتعرض للإهانة بأي طريقة ولكن ما الذي يجعلك توقن بأن كل شخص في العالم لديه هذه الحصيلة الهائلة من المهانة التي تمتلكها ؟ .. ما الذي يجعلك متأكدا أن كل شخص في العالم تعرض للمهانة لم يستطع أن يأخذ حقه ويسترد كرامته ويداوي كبريائه ؟ .. أليس من الوارد جدا أن يتمكن أي ممن أصابه نفس الاعتداء على روحه الذي أصابك أن ينجح فيما فشلت أنت فيه وهو الانتقام بإصابات قوية مماثلة ؟ .. أمر آخر .. من الممكن حقا أنك تعرف أنه لا يوجد شخص أيا كان من الأسرة والأقارب والجيران وزملاء الدراسة والعمل والأصدقاء والمعارف إلا وتعلم عنه ما يجعله أبلها وساذجا ومثيرا للضحك .. جميل .. لكن السؤال الأهم والذي لا يوجد أهم منه وأنت تعرف إجابته تماما يا ( سوبر ماريو ) مثلما تعرف اسمك : من الذي انتصر في المواجهات المباشرة بينكما ؟ .. هو يعرف عنك أنك مغفل وأنت تعرف عنه أنه مغفل ولكل منكما دلائله على ذلك .. حسنا .. أنتما متساويان بصرف النظر عن كم وقيمة ما يحتفظ كلا منكما به عن حياة الآخر الشخصية في ذاكرته .. ما الذي يفرق إذن ؟ .. إلى أي شيء يتم الاحتكام النهائي لترجيح الفائز ؟ .. من منكما لديه الورقة الرابحة الأخيرة التي يقضي بها على هذا التعادل وتمنحه المكسب ؟ .. لا شك أنها الصدامات الواقعية بينكما .. اللقاءات التي تمت بينكما وجها لوجه وأنت تدرك تماما يا ( سوبر ماريو ) من الذي كان يخرج منها دائما باحمرار في الوجه وسخونة في الأذنين واحتقان في الصدر .. نعم كل شيء سينتهي .. كل الكائنات والأشياء ستذهب ولا أتوقع أن تكون فرحا ومطمئنا بهذا يا ( سوبر ماريو ) .. كل شيء سينتهي و أنت خاسر يا ( سوبر ماريو ) .
يعود الصوت الأول داخل ( سوبر ماريو ) ويقول له :
( التعرض للإهانة ثابت أما الإهانة ذاتها فهي نسبية تختلف معانيها وأسبابها وتأثيراتها بين البشر وعلى هذا الأساس فمن الممكن أن يعد ما تم اعتباره حصيلة هائلة من المهانة كالتي يمتلكها ( سوبر ماريو ) لا شيء من وجهة نظر شخص آخر مقارنة بحصيلته هو الشخصية في حين يعتبر ( سوبر ماريو ) العكس وهو أن مهانة هذا الشخص ضئيلة جدا أمام مهانته وبشكل عام فإنه من الطبيعي جدا أن يشعر أي شخص ويقتنع بأن الجرح الذي تصاب به كرامته هو أفظع الجروح الممكنة .. أما فيما يخص أخذ الحق واسترداد الكرامة ومداواة الكبرياء فهذه أيضا كلها أشياء نسيبة لا تشترط ممارستها أو القيام بها قواعد محددة إجبارية وملزمة لكل إنسان وبالتالي فـ ( سوبر ماريو ) يستطيع أن يجزم ويؤكد بمنتهى الثقة بأنه أخذ حقه كاملا ليس من البشر فحسب بل ومن كافة القوانين الكونية التي تحكم البشر أيضا وبطريقته الخاصة جدا التي لا يمكن لأحد غيره أن يؤديها أو يفهمها .. ( سوبر ماريو ) يأخذ حقه حين يجعل من بكاءه الداخلي ومن صرخاته المكتومة أرقا موثقا بالكتابة يحمل أفكار ومشاعر الذهول والغثيان والرعب المصاحبة لعدم استيعابه لماذا يهين الناس بعضهم البعض هكذا ؟! ، ولماذا يوجد شيء اسمه الإهانة من الأساس ؟! ، وبالضرورة لماذا يوجد وجود أصلا ؟! .. أما عن المواجهات المباشرة بين ( سوبر ماريو ) والآخرين التي كان هو دائما خاسرها الوحيد فهذا ليس صحيحا لأنه ليس شرطا بالتأكيد أن يكون الفائز هو من كان صاحب الكلمة الأخيرة والحركة الأخيرة والضحكة الأخيرة والمهزوم هو الذي ينسحب بألم .. أليس من الممكن جدا أن يشعر من تصفه بالفائز في نفس اللحظة أو بعدها بوقت قصير أو طويل أن انتصاره كان تافها ومكسبه لا قيمة له وأن فوزه ليس أكثر من إثبات لهشاشة نفسه التي تعتبر لقاءا كهذا مواجهة حربية وتوجيه الإهانة لشخص ما قوة وانسحاب هذا الشخص بألم من أمامه بطولة ؟ .. أليس من الوارد أن يكون من تصفه بالفائز على وعي ودراية بحياته الخاصة للدرجة التي تجعله عارفا بأنه مهزوم حتى لو أمضى حياته كلها يوجه الإهانات والسخرية والاستهزاء للآخرين ؟ .. أليس من الممكن أن يكون من تصفه بالفائز فاهما جدا أنه لا يفعل هذا إلا لضعفه وقلة حيلته وعدم قدرته على فتح عينيه في عيني الخراب الذي يسكنه ويحاصره من كل اتجاه ؟ .. أما عن ما تسميه خاسرا فأنت نسيت شيئا هاما للغاية : أليس من الوارد أن هذا الخاسر بعدما يتخلص من الآلام المباشرة للمواجهة يعود إلى الأسباب والمبررات والدوافع المنطقية القوية والكثيرة التي تجعل مما حدث أمرا عاديا لا يقلل من شأنه ولا يمس كرامته باعتبار ـ على الأقل ـ أن عدم قدرته على مواجهة السخرية بسخرية مماثلة أو أشد أو مواجهة الاستهزاء أو التهكم إنما يرجع بالأساس لتكوينه الداخلي الذي لم يكن له دخل في تشكيله أو في تربيته أو تنشئته من البداية وإنما قام بذلك أشخاص آخرون وأحداث قديمة ومرحلة زمنية طويلة سابقة من العالم لم يكن له أي اختيار فيها ولم تكن لديه أدنى قدرة على التحكم في أبسط وأتفه قرارتها وأحكامها على شخصه وبالطبع ليس ( سوبر ماريو ) هو الوحيد في الدنيا الذي يعرف أن التشكيل الأول والتربية الأولى والتنشئة الأولى للشخصية هي الأسس الثابتة الدائمة التي تظل صاحبة التأثير الأقوى على الإنسان طوال عمره .. ما ذنب ( سوبر ماريو ) إذن في أن الأسس التي حددت برمجته الخاصة لم تؤهله لأن يكون ساخرا ومستهزءا ومحطما لكرامة الآخرين ؟ ) .
قبل أن يظهر أي صوت آخر .. ( سوبر ماريو ) يعود إلى الداخل ويغلق شرفته .
* * *
( حامد ) يؤمن تماما أن علاقته بالسماء ليست عادية أبدا .. هي أشبه بعلاقة الأم بأحب الأبناء إلى قلبها .. علاقة أكثر الابناء برا وطاعة بأمه المثالية .. لهذا ، وإحقاقا للحق وتطبيقا للعدل ولإكرام من يستحق الكرم كان على السماء ( الأم ) أن تفضل ( حامد ) الابن عن باقي البشر .. الكرم الذي طالما وهبته السماء بنفسها سيكون بالضرورة نابعا من روح الكون ذاته .. الروح التي تشمل وتهيمن وتسيطر على كافة الموجودات في كل مكان وزمان .. ( حامد ) يحمل هذه الروح .. يحمل هديته التي لا تمنحها السماء للبشر العاديين الذين بالتالي وتعويضا عن عدم فوزهم بها يحتاجون لكنوز هذه الروح الكونية التي أكرمت السماء ( حامد ) بمنحها له .. يحتاجون لفضائلها ونعمها عليهم .. يحتاجون لمعجزاتها .. وبما أن ( حامد ) ابنا بارا ومطيعا وشاكرا فقد حافظ على الهدية وصانها لأقصى درجة إلى أن صار التوحد بين ذاته وبين الروح الكونية توحدا مكتملا وعميقا .. أصبح ( حامد ) وروحه الكونية شيئا واحدا .. وجودا ساميا مستقلا له طبيعة استثنائية للغاية .. أصبح ( حامد ) وروحه تجليا متحققا للمشيئة وللحقيقة وللنور .. البشر العاديون يحتاجون إذن بل هم في أمسّ الحاجة إلى ( حامد ) .. لأنهم عاديون .. ويعرفون جيدا أنهم عاديون ، وأن ( حامد ) ليس عاديا .. ( حامد ) أيضا بالتأكيد يعرف ذلك بالضبط مثلما يعرف أنه جدير بألا يكون عاديا .. جدير بمحبة السماء وتفضيلها له ولإهدائه الروح الكونية التي يستحقها ، وبالتأكيد لأنه ابن بار أكرمته السماء فلن يتأخر عن البشر العاديين أبدا .. أبدا .. ( حامد ) لن يتقاعس أو يتهاون أو يتكاسل عن القيام بواجبه تجاه الناس .. لن يتخاذل في أداء دوره ـ المرتبط بحركة الكون ونواميسه ـ فيحرم الضائعين في الظلام من الفضائل والنعم التي كافأته السماء بها .. من الأمانة التي حملّها القدر له كي يبلغها إلى التائهين في العتمة فيمنحهم الضوء المقدس المنبعث من الغيب .. الضوء الذي ينير لهم الطريق الصحيح نحو الجنة ...
( حامد ) فعل ما يجب عليه أن يفعله .. أطال لحيته وحلق شاربه ولبس الطاقية البيضاء ثم وضع على رأسه ( الغترة ) السعودية ـ امتنانا وعرفانا وتقديرا للأرض الطاهرة التي شرفها الله بالحرمين وجعل حاكمها خادما لهما والتي لاتكف أبدا عن منح شتى أنواع الخير لأحبابها من المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات .. ( حامد ) أيضا ارتدي الجلباب الأبيض ثم ظهر مبتسما بحب إلى البشر العاديين الذين هم في أمسّ الحاجة إليه عبر شاشة التليفزيون .. ( حامد ) يؤمن بمنطقية مهمته وبديهية دوره الكوني وبأنها لحظة مقدسة وفارقة في تاريخ السماء والأرض تلك التي يطل فيها على الناس وجهه المرتعش بنشوة اليقين وحلاوة الإيمان وعظم المسؤلية التي يحملها .. وجهه الذي يشرق تحت اسم القناة المكتوب في الزاوية اليمنى العلوية بصحبة شعارها بينما يتتابع أسفل وجهه المشرق ظهور أعلام صغيرة للدول وبجانب كل علم رقم الاتصال الخاص به .. تحت ابتسامة ( حامد ) المنتشية تتوالى رسائل الـ sms المتعاقبة التي لا يتوقف البشر العاديون أبدا عن التأكيد من خلالها على حبهم لله ورسوله ولـ ( حامد ) وعلى عمق انتماءهم وشدة ارتباطهم وتمسكهم وتوحدهم بهذا الدين .. يؤكدون على عدم توقف دعواتهم بأن يغفر الله ذنوبهم ويرضى عنهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويدخلهم الجنة ويفرج كروبهم ويزيل همومهم ويمحو أحزانهم ويشفي مرضاهم وينجح أبنائهم ويشغّل عاطليهم ويسدد ديونهم ويرزقهم بالزوج المناسب والزوجة المناسبة كما يؤكدون بالمناسبة أن لديهم تخفيضات كبيرة على أسعار أنواع مختلفة من العسل الذي يشفي من السرطان والإيدز والالتهاب الكبدي الوبائي والفشل الكلوي وهشاشة العظام والعقم وآلام المعدة والقولون العصبي وأمراض القلب والرئة وحب الشباب وتساقط الشعر والتهاب المفاصل والاكتئاب .. وجه ( حامد ) المشرق يقول للناس :
( الحمد لله نحمده ، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ...
بطّل سجاير .. بطّل المواقع الإباحية .. بطّل نظر للنسوااااااااااااااااان .. هاتبطّل إمتى ياجميل ؟ .. هاتبطّل إمتى ؟ .. هاتبطّل إمتى ؟ .. يعني .. مش مكسوف .. إن ربنا يشوفك وانت بتعمل كده .. مش مكسوف .. إن ربنا معاك وشايفك وانت بتشوف الحاجات دي .. مش مكسوف إن ربنا قريب منك .. إداك عنين .. تروح تزني بيهم ؟!!! .. إداك لسان .. تنافق بيه ؟!!! .. إداك فلوس .. تروح تسكر بيها ؟!!! .. يا اخي حرام عليك .. يا اخي ارحم نفسك .. يا اخي توب بقى .
واحد باعت يسألني بيقولي يامولانا ما هو حكم الشرع الهندوسي في أداء صلاة جماعة داخل البيت ؟ .. لا حول ولا قوة إلا بالله .. يا أخي الكريم سامحك الله .. هي الهندوسية أصلا فيها صلاة جماعة سواء داخل البيت أو خارجه ؟! .. إزاي لغاية دلوقت مش عارف أساسيات دينك ؟! .. واحنا قاعدين بقالنا 100 سنة نوجع في قلبنا ونبح في صوتنا عشان الناس تفهم وتتعلم وتمشي مظبوط يقوم ييجي حد بعد كل ده ويسأل عن شيء من بديهيات العبادة ؟! .. استغفر الله العظيم يارب .. أرجو إنكو تنتبهولي أكتر من كده يا اخوانا أعزكم الله .
الصدق إللي أنا بأطالبك بيه .. ماتكدبش .. ماتقولش مش قادر .. إنت تقدر .. ماتكدبش .. ماتقولش أنا عايز اتوب .. قول انا مش عايز اتوب فيارب ارزقني إني انا اتوب .. ما تكدبش .. ماتقولش أصل عندي ظروف .. معندكش ظروف .. قول انا مفتون .. ماتكدبش .
هاتوب إمتى ؟!!! .. مستني إيه ؟!!! .. الملك صبر عليك كتير ، وسترك كتير ، وسامحك كتير ، وسابك كتير ، ويسّر لك كتير ، وجددلك كتير ، وأمهلك كتير .. بس لما يأخذ ... )
يرفع ( حامد ) قبضته المضمومة في الهواء وينزل بها بقوة على المكتب الذي يجلس عليه بينما تتسع الابتسامة في وجهه المشرق وهو يتابع قائلا :
( إن أخذه أليييييييييييييييييييييييييييييييييم .. شديييييييييييييييييييييييييييييييييييييييد .. ممكن قلبك يتغير بعد ما عملت كل الذنوب ؟ .. شربت مخدرات وزنيت وسرقت واتفرجت ع النت والقنوات ومشيت مع بنات ورقصت وغنيت ونهبت وقتلت وبعد كل كده ممكن أبقى إنسان كويس وولي من أولياء الله الصالحين ؟ .. آآآآآآآآآآآآآآآآآه ممكن .. انت متأكد يا شيخ من الكلام ده ؟ .. آآآآآآآآآآآآه متأكد .. يعني الكلام ده ممكن يحصل انت شفته قبل كده ؟ .. أيوة أنا شفته .. عموما ماتنسوش أعزائي وأحبائي وإخوتي في الله إن إللي عايز يسأل أو يستفسر أو يقول أي حاجة يتصل على الأرقام اللي بتظهر قدامكو على الشاشة .. فاصل وارجع لحضراتكو بإذن الله تعالى ) .
* * *
هذا المساء كان ( حامد ) مشغولا جدا .. ترك المقهى بعد أن ظل جالسا عليها مدة طويلة بصحبة رجل أنيق ثم بدأ في القيام بجولة مر خلالها على ما يقرب من عشرة من أصحابه ومعارفه وأعطى كل واحد منهم مبلغا ماليا مقتطعا من المبلغ الكبير الذي أعطاه له الرجل الأنيق في المقهى .. لم يدم وجود ( حامد ) عند أي من أصدقائه كثيرا .. عبارات قليلة مختصرة ومعتادة واتفاقات تقليدية محفوظة تماما فيما بينهم .. بعد الفجر بدأ التجمع الكبير بين ( حامد ) وأصحابه .. التجمع المسلح بكافة ما يلزم من السيوف والسنج والسكاكين .. في الأسابيع القليلة الماضية كان ( حامد ) يعمل لوحده لأنه لم يكن محتاجا لأحد أثناء تقطيع اللافتات الانتخابية لأحد مرشحي مجلس الشعب وتمزيق ملصقات الدعاية الخاصة به .. لم يكن أحد قادرا على رؤية ( حامد ) وهو يفعل ذلك .. كان يؤدي مهمته ليلا وببراعة متمرسة ويستخدم كالمعتاد سيارة ملاكي تابعة لأحد ضباط قسم الشرطة لتسهل انتقاله من شارع لشارع لإنجاز أكبر كم من التقطيع والتمزيق في أقل وقت ممكن .. اليوم يجب أن يعمل مع ( حامد ) مجموعته المدربة جيدا على إخراج يوم كهذا في أبهى صورة عن طريق منع الناخبين من الاقتراب من بعض اللجان والتدخل في اشتباكات الأمن مع أنصار أحد المرشحين لجعل الأمن ينسحب من هذه الاشتباكات ويتم تولي مسؤليتها بالكامل لتأديب هؤلاء الأنصار وتعريفهم غلطهم ومنح أجسادهم تذكارات ثمينة تخلّد هذا المشهد العقابي في أذهانهم للأبد .
هذا المساء لم يكن ( حامد ) مشغولا .. ترك الأمن راضيا عن الصناديق وأصحابه راضين عن جيوبهم وهو راض عن دماغه التي كيّفها جيدا بعد انتهاء المعركة .. في المقهى كان مذيع التليفزيون يعرض آخر أخبار الانتخابات .. نادى ( حامد ) القهوجي الذي جاءه سريعا جدا فأشار إليه ( حامد ) بأن يقترب منه أكثر وابتسامته الواسعة تختلج على وجهه المنتشي الناعس .. اقترب القهوجي أكثر فأشار إليه ( حامد ) بأن يميل برأسه عليه كأنه سيخبره بأمر سري .. مال القهوجي برأسه أكثر من وجه ( حامد ) وقد بدأ يشعر بالقلق والتوتر .. أمسك ( حامد ) فجأة برقبة القهوجي المذعور وقرّبها منه أكثر ثم قبّل خده قبلة قوية وقال له بصوت هامس جدا : ( والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان )
ثم مد لسانه ولحس طرف أذن القهوجي الذي اشتد فزعه ولم يعرف هل يبتسم أم يهرب سريعا أم يظل كما هو أم ماذا .. قال له ( حامد ) : ( إقلب المحطة لإما تقفل التليفزيون )
ثم ترك رقبة القهوجي الذي أسرع كالريح باتجاه التليفزيون .
* * *
في نهاية البرنامج التليفزيوني قال المذيع : أعزائي المشاهدين وقبل أن نختم حلقتنا نتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ حامد على تشريفه لنا الليلة ونسأله في نهاية البرنامج عن الكلمات الختامية التي يود أن ينهي بها هذا الحوار الممتع ...
جذب ( حامد ) نفسا عميقا بينما يتأكد من سلامة وضع كرافتته الأنيقة رافعا درجة التجهم في وجهه والحدة في عينيه وهو يقول بكلمات بطيئة وثقيلة وبصوت قوي ولهجة تهديدية حاسمة : أريد أن أقول في النهاية أن ما ارتكبته هذه الحكومة من جرائم بشعة في حق المواطن المصري البسيط لن تمر دون عقاب وأنه سيأتي اليوم الذي سيأخذ كل قاتل ولص في هذا البلد جزاءه العادل .. أؤكد لكل فاسد يخرب ويدمر الوطن أن دماء ضحايا العبّارة والمقطم وقطارات الموت والمبيدات المسرطنة والمياه الملوثة والتعذيب في أقسام الشرطة والغرق على شواطيء أوروبا هربا من البؤس الذي أغرقتم الناس فيه .. أؤكد لكل فاسد أن دماء هؤلاء الضحايا لن تضيع هباء وأن التاريخ لن يرحم الطغاة والجلادين الذي أذاقوا هذا الشعب الطيب مرارة الظلم والقمع والاستبداد ولنتذكر جميعا ( كونفوشيوس ) حين قال : على الرغم من الفقر والألم يمكن المحافظة على الأماني والسعادة الداخليّة ، وهذا هو أعلى قيمة للحياة .. نعم .. الشعب الطيب الذي يعاني من الفقر والإهانة والجوع والمرض والبطالة والذي سيظل دائما قويا وصامدا وشامخا في وجه أعداء الداخل والخارج على مر الزمان مهما كانت المحن أو الأزمات التي يمر بها .
المذيع : ألف شكر أستاذ حامد .. أعزائي المشاهدين في نهاية هذه الحلقة أشكركم وإلى اللقاء في الحلقة القادمة من البرنامج بإذن الله
* * *
بعدما خرج ( حامد ) من باب الحمام العمومي الملاصق للحديقة الواسعة المطلة على كورنيش النيل وقف للحظات متفحصا الأطفال الذين لا يتجاوز أكبرهم العاشرة بكثير والذين يقفون عادة يوميا في هذا المكان .. نادى ( حامد ) على أحدهم :
ـ وله يا مصاصة ...
التفت إليه أحد الأطفال ونظر إليه متسائلا .. أشار له ( حامد ) بأن يأتي إليه .. حينما جاءه ( مصاصة ) سلم عليه باليد قائلا :
ـ إزيك ياله
ـ كويس
ثم تحرك ( حامد ) عائدا إلى الحمام قائلا لـ ( مصاصة ) :
ـ تعال
تبعه الطفل إلى داخل الحمام وبعد أن أغلق ( حامد ) الباب أنزل سوستة بنطلونه وفك زراره ثم أنزله وعاد وأنزل لباسه وكان هذا يعني لـ ( مصاصة ) ما الذي يجب عليه أن يفعله الآن .. بالفعل أنزل الطفل رأسه قليلا ليأخذ عضو ( حامد ) داخل فمه .. ظل ( مصاصة ) يقوم بعمله لدقائق ثم توقف فجأة ورفع رأسه نحو ( حامد ) قائلا له :
ـ لما تيجي تنزل تشيله عشان ما اطرُش
نظر إليه ( حامد ) بحدة وأمره قائلا :
ـ فندم الرب أنه صنع الإنسان على الأرض وتأسف في قلبه فقال الرب : ( أمحو الانسان الذي خلقت عن وجه الأرض هو والبهائم والدواب وطيور السماء لأني ندمت أني صنعتهم ) .. خلّص يالا
عاد الطفل لمواصلة عمله وحينما شعر بأن عضو ( حامد ) يرتعش أبعد فمه بسرعة في حين أسرعت يد ( حامد ) لتحل على الفور محل هذا الفم المبتعد وهو يلهث ويقذف بينما ( مصاصة ) يبصق إحدى القطرات التي نجحت في العبور إلى فمه قبل ابتعاده
ـ يابن الوسخة
قالها ( حامد ) للطفل وهو يتأكد باعتصار أخير من كفه أن عضوه قد أنهى إنزاله بينما ينظر إليه بغضب نتيجة تخلي فمه عنه في لحظة دقيقة وحاسمة كهذه
ـ ما أنا قلتلك ها اطرُش
قالها ( مصاصة ) لـ ( حامد ) بلهجة اعتذارية لكن ( حامد ) بدا وكأنه لم يسمعه وهو يرفع اللباس والبنطلون ويقفل السوستة والزرار ثم يغسل يديه بقليل من الماء ويجففهما بالحك مرات قليلة متوالية في بنطلونه ثم يفتح باب الحمام ويخرج
ـ معلم حامد
نادى عليه الطفل بصوت شاحب
ـ عايز إيه يالا
ظل ( مصاصة ) ينظر إليه صامتا بحذر وترقب وخوف دون أن يعرف ماذا يقول .. حاول أن يبتسم فلم تكتمل ابتسامته وماتت من الارتباك في منتصفها
أخرج ( حامد ) علبة سجائره وأشعل سيجارة ثم أخرج واحدة أخرى ومد يده بها للطفل .. أخذها منه وظل ممسكا بها في وضع الاستعداد للإشعال .. مد ( حامد ) سيجارته المشتعلة إليه فأخذها ( مصاصة ) وأشعل منها سيجارته ثم أعاد سيجارة ( حامد ) إليه .. التفت ( حامد ) للجهة الأخرى وبدأ يخطو بعيدا عن الطفل الذي عاد ونادى عليه ثانية
ـ معلم حامد
التفت إليه ( حامد ) بنفاذ صبر شرس
ـ عايز إيه يا كس أمك ؟
اقترب منه ( مصاصة ) ثم قال له
ـ عاوز فلوس
ـ أنا مش مديك سيجارة يا خول .. كفاية عليك كده
ـ بس يا معلم أنا والله محتاج فلوس عشان أجيب أكل .. يعني شوف معاك أي حاجة
ـ بعدين يا خول .. المرة الجاية .. يللا إخفى
وتركه وابتعد .. هذه المرة لم ينادي ( مصاصة ) عليه .. ظل واقفا ينظر إلى ( حامد ) وهو يبتعد حتى غاب عن بصره ثم انتبه للسيجارة التي يمسكها فرفعها إلى فمه وسحب منها نفسا قويا وأخرجه في الهواء بقوة مماثلة وهو يرفع رأسه لأعلى ثم تحرك عائدا نحو أصحابه الواقفين بالقرب من باب الحمام العمومي .
* * *
في السابعة مساءً تخرج زوجة ( سوبر ماريو ) فيصبح لوحده في البيت .. بعد وقت قصير يطفيء ( سوبر ماريو ) الكومبيوتر ويأخذ كشكولا وقلما ويخرج إلى الصالة .. ( سوبر ماريو ) يطفيء كل أنوار الصالة ويضيء أباجورة وحيدة بجوار الكنبة .. يتوجه إلى حجرة النوم ليحضر الـ ( ipod ) من درج الكومودينو ثم يعود إلى الصالة .. يتمدد على الكنبة وبجواره على المنضدة الصغيرة الكشكول والقلم .. للحظات قليلة يتطلع ( سوبر ماريو ) إلى ما حوله ليتبين كيف تبدو أشياء الصالة مع الصمت والوحدة والإضاءة الخفيفة .. يضع سماعتي الـ ( ipod ) في أذنيه ويبدأ في الاستماع :
( أنا أنا أنا أبريق الشاي
إيدي كده
بوزي كده
أصب الشاي
وارجع كده
واعرف برضه يا كتاكيت أحكي حواديت
كان فيه واحد اتنين تلاتة
ويا أربعة خمسة تاتاتاتا
راحوا لعم علي الحلواني
عايزين بسكوت بالشيكولاتة
الحلواني يا أطفال .. فكر حبه وبعدين قال :
بسكوت بالشيكولاتة مفيش .. يمكن فيه عند البقال
البقال قال : اشتروا سكر .. خدوا بفلوسكم كلها سكر
أحلي شيء في الدنيا السكر حتى اسألوا أبريق الشاي
أبريق الشاي أبريق الشاي
أنا أنا أنا أبريق الشاي
إيدي كده
بوزي كده
أصب الشاي
وارجع كده
واعرف برضه يا كتاكيت أحكي حواديت )
يمسك ( سوبر ماريو ) بالقلم ويفتح الكشكول وبينما لا تزال الأغنية تتواصل في أذنيه يكتب :
( ـ سينما الأطفال
ـ بقلظ
ـ بابا ماجد
ـ البيض الملون على حافة شباك المطبخ في الصباح الباكر يوم شم النسيم
ـ الملانة
ـ مجلد ميكي 1983 على غلافه صورة ميكي وهو يسدد الكرة في المرمى
ـ كيس المكعبات .. كنت أصنع منه مسدس وسفينة
ـ المغامرون الخمسة والمغامرون الثلاثة والشياطين الـ 13
ـ الزمزمية الخضراء
ـ تمثيليات : كابتن جوده ، عيلة الدوغري ، هند والدكتور نعمان ، برج الحظ ، هي والمستحيل
ـ قصة عقلة الإصبع )
... وأثناء الكتابة يستمع :
( كان فيه في بلاد العجايب
حفلة شاي لتلاتة حبايب
الدبة والبوبي والنملة
والتعلب برة مالوش نايب
التعلب قدامهم فات
وف ديله سبع لفات
كل الحفلة قالولوا يا تعلب
ابعد عنا عشر ياردات
تعلوبة قال :
فيها لاخفيها
وأقلب فناجينها وكراسيها
وعشان أغيظكم وأجننكم
راح اخبي أبريق الشاي
أبريق الشاي أبريق الشاي
أنا أنا أنا أبريق الشاي
إيدي كده
بوزي كده
اصب الشاي
وارجع كده
واعرف برضه ياكتاكيت
احكي حواديت )
... و( سوبر ماريو ) يكتب :
( ـ عروستي
ـ بوجي وطمطم
ـ كرنبة
ـ لمبة صفراء في الحجرة
ـ صورة فريق الأهلي على الحائط
ـ كروت عيد الأم وعلب المناديل وزجاجات العطر الصغيرة
ـ كتاب القراءة .. عمر وأمل وحازم والكلب بسبس
ـ اليوم الرياضي وساندويتشات الفينو الصغيرة
ـ أغنية يا أمة الإسلام والإيمان يا خير الأمم
ـ فوانيس رمضان في الشارع
ـ صوت الشيخ محمد رفعت قبل الإفطار في الراديو القديم
ـ فوازير الإذاعة بصوت آمال فهمي )
في أذني ( سوبر ماريو ) تبدأ أغنية جديدة :
( كان نفسي من صغري
أكبر وأكون بحار
وحلمت طول عمري
بالبحر والأخطار
الحلم حققته
لأني صدقته
وكتبني في ورقته
قبطان من الشطار
ياطيور النورس
يالي مقابلني
غنوا سوا كورس
واهتفوا ورا مني
حياة البحر
أحلى حياة
ولو يقلب ويبقى نو
أنا القبطان
تني وراه
أحايله لما يصفى الجو
ياطيور النورس
يالي مقابلني )
... و ( سوبر ماريو ) يواصل الكتابة :
( ـ كوكي كاك
ـ عمو فؤاد
ـ مسرح العرائس
ـ سويتر أخضر بسوستة طويلة
ـ كوتشي أزرق في أبيض في رمادي
ـ بلوفر كحلي
ـ فانلة صفراء تميل إلى البرتقالي عليها رسومات بارزة وكتابة بالانجليزي
ـ بيجاما كستور بيضاء بزهور خضراء
ـ مقلمة أخذتها جائزة على رسم لوحة عيد الطفولة ( أختي الكبرى هي التي رسمتها لي ) من قصر الثقافة عليها رسم لبنت في حديقة
ـ مقلمة ثانية لونها برتقالي
ـ برنامج جولة الكاميرا تقديم هند أبو السعود
ـ برنامج نافذة على العالم
ـ نادي السينما وأوسكار واخترنا لك والعالم يغني والموسيقى العربية
ـ اليوم المفتوح
ـ ألعاب بين شطين والملك وكهربا والمنديل وثبّت
ـ الجنينة جنب قصر الثقافة والشجرة الكبيرة في المنتصف
ـ فرقة المصريين وأغنيات ماتحسبوش يابنات إن الجواز راحة وماشية السنيورة وبنات كتير كده من سني
ـ شورت أبيض بخطين حمر في الجنب وكلمة بوما
ـ فانلة ألعاب زرقاء بياقة كحلي مكتوب عليها من الخلف رقم 4 )
... والأغنية مستمرة :
( جزاير المرجان
رميت عليها الهلب
ومغارة القرصان
لقيتها بعد الغُلب
لكن عروسة البحر
فتشت عنها البحر
وسألت عنها الصخر
لقيتها كدب في كدب
ياطيور النورس
يالي مقابلني
غنوا سوا كورس
واهتفوا وراه مني
حياة البحر
أحلى حياة
ولو يقلب ويبقى نو
أنا القبطان
تني وراه
أحايله لما يصفى الجو
ياطيور النورس
يالي مقابلني )
... و( سوبر ماريو ) يكتب :
( ـ فطوطة
ـ فوازير نيللي وشريهان
ـ ألف ليلة وليلة
ـ العجلة ذات الكرسي الأحمر التي كانت تركبها البنت التي تسكن أمامنا كل يوم عصرا
ـ فيلم الطيب والشرس والقبيح
ـ فريق ABBA وصورة كبيرة لأعضائه معلقة في حجرة أخي الكبير
ـ شرايط وردة وأم كلثوم وفريد الأطرش وفايزة أحمد وعبد الحليم حافظ التي أحضرها أبي من السعودية
ـ ألبوم بم بم
ـ علب صلصة فاين فودز
ـ ضفدعة مرسومة في كشكول مذاكرة أخي
ـ زرع بطاطا وحلبة وفول في البلكونة )
... تبدأ أغنية جديدة :
( فتّحي يازهور فتّحي
واضحكي للنور وافرحي
وافتحي قلبك افتحي
دي النسمة عبير
مرجيحة حرير
بتقول يالا اتمرجحي
واصحي وصحصحي
واضحكي وافرحي
فتّحي فتّحي
فتّحي يازهور
ماما نجوى ياماما نجوى
نعمين ياعيون ماما نجوى
لو تسمحي أقطف زهرة
الزهرة دي زيك حلوة
ليه تقطفيها وتجرحيها
خليها ف عودها
تفضل خدودها
ريحتها فيها
لما تشوفيها ها تفرحي
ونقول يازهور
اصحي وصحصحي
واضحكي وافرحي
فتّحي فتّحي
فتّحي يازهور )
... ( سوبر ماريو ) يشعر بالغصّة تتكون في حلقه وتكبر .. تتكون وتكبر .. ( سوبر ماريو ) يعرف أنه على وشك البكاء الآن .. بالفعل يبكي .. بكاء ( سوبر ماريو ) ظاهريا خفيف وهاديء ومكتوم الصوت وبدموع ضئيلة جدا لا تتجاوز حدود عينيه لكنه يشعر أثناء البكاء بدوار في رأسه وأن أعصاب وجهه ورقبته تختلج وتتقلص وتتشنج بقوة من الداخل .. يشعر بأنفاسه تتعثر وبقلبه يدق بسرعة وبثقل كبير يضغط على أمعائه .. ( سوبر ماريو ) يشعر أثناء البكاء بجسده كله يرتعش .. أثناء البكاء أيضا يبتسم ( سوبر ماريو ) ابتسامة صغيرة للغاية ويهز رأسه هزة صغيرة للغاية .. ابتسامة حسرة وهزة ذهول .. أين ذهب الزمن ؟ .. أين ذهب الأشخاص ؟ .. أين ذهبت الأشياء ؟ .. لماذا كان الزمن والأشخاص والأشياء أساسا ؟ .. هل من أجل أن يكونوا كما كانوا لوقت ما ـ ماذا كانوا حقيقة ؟ ـ ثم يذهبوا كي يحصل من يتذكرهم ويفكر فيهم ويسأل عنهم على ألم كهذا ؟ .. ( سوبر ماريو ) يبكي ويبتسم ويهز رأسه ويتساءل في قلبه : أين ذهب ( سوبر ماريو ) القديم ؟ .. أين ذهبت حياته بكل ما فيها ؟ .. متى بدأ الماضي ومتى انتهى وكيف ولماذا ؟ .. ( سوبر ماريو ) يبكي ويبتسم ويهز رأسه ويشخر في أعماقه شخرة يتمناها بحجم الكون والزمن والغيب .. اللعبة يا ( سوبر ماريو ) .. عشت سنوات لم تكن جميلة ثم الأقل جمالا فالأقل جمالا فالأقل جمالا حتى أصبحت السنوات الأولى التي لم تكن جميلة هي الجنة التي طردت منها .. هي الفردوس الذي سرق منك وأنت غير منتبه أو نائم أو مغشي عليك لافرق .. أصبحت هي العالم الذي لا علاقة له بالعالم والدنيا التي لا علاقة لها بالدنيا وتخص ( سوبر ماريو ) آخر ليس أنت .. ( سوبر ماريو ) عاش ومات وترك لك نزيفا متواصلا في روحك للذكرى الخالدة .. اللعبة يا ( سوبر ماريو ) ...
... يكتب ( سوبر ماريو ) :
( ـ رائحة الريحان في جنينة عمتي
ـ فيلم رحلة السندباد السابعة
ـ رائحة المدارس في الليلة الشتائية الباردة التي تسبق أول يوم دراسة
ـ كيس الساندويتشات
ـ المريلة
ـ حذاء أسود ذو سلسلة ذهبية صغيرة في المنتصف
ـ صوت الجرس
ـ بخار الماء الخارج من الفم في الصباح الباكر
ـ فيلم الرجل الفيل
ـ القصرية الحمراء وكان بولي يسيل من قعرها إلى السجادة ليصنع عليها أشكالا تشبه وجوها آدمية
ـ القط مشمش
ـ لعب الكرة مع أخي في الصالة )
... ويستمع للأغنية :
( أنا عندي جنينة أجمل منها
دي جنينة كلنا عارفنها
فيها أجمل زهور
طب هي فين قوليلنا
أجمل جنينة عندنا
مع كل واحد مننا
أجمل جنينة قلبنا
أجمل جنينة قلبنا ؟
طب فهمينا
لو تسمحي
افتح قلبك للنور
هاتشوف أجمل زهور
ارويها بالمحبة
ها تكبر حبة حبة
وتخلي الدنيا نور
وانا وانتو وماما نجوى
دي حكاية وضحك وغنوة
نتقابل كلنا
ونفتح قلبنا
ونقدم زهرة حلوة
من أجمل الزهور
ونغني سوا
فتحي يازهور
واصحي وصحصحي
واضحكي وافرحي
فتّحي يازهور
فتّحي يازهور فتّحي
واضحكي للنور وافرحي
وافتحي قلبك افتحي
دي النسمة عبير
مرجيحة حرير
بتقول يالا اتمرجحي
واصحي وصحصحي
واضحكي وافرحي
فتّحي فتّحي
فتّحي يازهور )
... ويواصل ( سوبر ماريو ) البكاء .. البكاء المصحوب بابتسامة الحسرة وهزة رأس الذهول .. ( سوبر ماريو ) يواصل البكاء المصحوب بالفرح .. الفرح لأنه يبكي .. لأنه قادر على أن يفعل ما يفعله الآن وأن يشعر بما يشعر به الآن وأن يفكر فيما يفكر فيه الآن .. الفرح لأنه موجود في العالم هكذا في تلك اللحظة .. لأنه يمتلك هذا التكوين الذي يجعله يبكي ويتحسر على طفولته ويذهل من سفالة الزمن .. ( سوبر ماريو ) فرح أيضا لأنه لا يزال محتفظا بتفاءله تجاه الغيب .. الغيب الذي بالتأكيد يراه الآن ويعرف تماما ما بداخله وما يشعر به وبالتأكيد لن يتركه هكذا .. سوف يفعل شيئا جميلا واستثنائيا من أجله .. الغيب لن يحتمل أن يرى ( سوبر ماريو ) على هذا الحال ويظل صامتا ومختبئا كجبان قذر .. الغيب على الأقل .. على الأقل سيعيد ( سوبر ماريو ) القديم إلى ( سوبر ماريو ) الحالي .. سيعيد الماضي إليه كما كان بالضبط بكل أشخاصه وأشيائه ولحظاته .. الغيب لن يترك ( سوبر ماريو ) يتمزق طوال الوقت بفعل النشوة السحرية القاسية للاسترجاع .. بعد الآن لن تكون هناك استعادة للطفولة .. سيكون هناك عيش للطفولة كما كانت فحسب كأن الزمن لم يغادرها بل ظل طوال الوقت يتحرك في حدودها ويبدأها من جديد كلما أوشكت على الانتهاء ولا يسمح لها أن تنتهي أبدا .. لا يسمح للطفولة أن تغادر ( سوبر ماريو ) .. الغيب سيمسح من ذاكرة ( سوبر ماريو ) كل ما أصابها بعد المرحلة الابتدائية .. كل ما جرحها وأوجعها وآذاها وظل نشطا في أعماقها بضمير سرطان لا يمكن استئصاله ويواصل قتل حامله ببطء متقن للغاية .
( سوبر ماريو ) فرح أيضا لأنه قادر على اليأس من الغيب .. قادر على ألا يتوقع أو ينتظر منه شيئا يخالف طبيعته السافلة التي تعوّدها .. قادر على تحمّل اليقين بأنه لا شيء جميل واستثنائي سيحدث بل سيستمر الأمر كما هو حتى النهاية دون أي مفاجآت .. دون أن تعود الطفولة بحق إليه ليعيشها من جديد كأنه لم يعش بعدها أبدا .. ( سوبر ماريو ) يعلم أن هذا ضد أخلاقيات الصمت والاختباء التي سيظل الغيب متمسكا بها .
( سوبر ماريو ) خائف جدا أيضا .. خائف من الدوار وضيق التنفس ودقات القلب السريعة وارتعاش جسده .. ( سوبر ماريو ) خائف جدا من البكاء .. يفكر أن البكاء ربما يقتله .. ربما .. كل شيء وارد ومحتمل .. يحاول ( سوبر ماريو ) التوقف عن البكاء .. التوقف عن البكاء يشترط أن يخلع سماعتي الـ ipod من أذنيه ويترك القلم ويغلق الكشكول ويتوقف عن استعادة ذكرياته .. ( سوبر ماريو ) يتوقف عن البكاء ويفتح التليفزيون ليشاهد أي شيء في انتظار رنة جرس الباب لحظة رجوع زوجته .
* * *
وقت طويل أمضاه ( حامد ) مع صديقه في المقهى .. وقت طويل أمضاه ( حامد ) وهو يبوح لصديقه بمشاكله وأزماته ومنغصّات حياته .. صديق ( حامد ) كان طوال هذا الوقت الطويل ينصت إليه تماما .. ينصت وعلى وجهه ملامح التفهم والتعاطف والمشاركة .. بعد أن خرج ( حامد ) وصديقه من المقهى وبينما راحا يسيران مع بعضهما بتمهل في الشوارع قال ( حامد ) لصديقه :
ـ على فكرة أنا عايز أقولك على حاجة بس ما تستغربش
ـ إيه ؟
ـ تصدق إنك إنت الوحيد إللي باحكيله مشاكلي وبفضفض معاه بهمومي ؟
ـ بجد ؟
ـ آ والله .. بهاء الله قال : لن يطمئن قلب الانسان الا بعبادة الرحمن ولن تستبشر الروح سوی بذكر الله .. بص أنا ليا اصحاب كتير وانت عارف ده بس صدقني انت الوحيد إللي بحب اتكلم معاه وأشكيله من الحاجات إللي مضايقاني وانت الوحيد من اصحابي إللي لما باسيبه ببقى زعلان لأن الكلام معاك بيريحني جدا
ـ ربنا يخليك يا عم الحاج
ـ أنا باتكلم بجد ومش بجاملك على فكرة .. إنت فعلا إنسان طيب جدا وطباعك الجميلة تخلي أي حد يرتاحلك ويطّمنلك ويبقى عايزك دايما تبقى معاه وما يملّش من صحبتك أبدا
ـ يعني انت ناوي تطلبني من أبويا ولا نضرب ورقتين عرفي وخلاص ؟
ضحك الاثنان في نفس واحد مع ( كفك ) قوية ثم واصلا المشي .. كان ( حامد ) قد انتهى من كلامه لكن صديقه لم ينته من فرحه الداخلي بهذا المدح الجميل وهذه الإشادة الرائعة بشخصه .. صديق ( حامد ) فرح جدا دون أن يخبر ( حامد ) بذلك وسيحاول بكل طاقته أن يمنع هذا الفرح المخبوء من الظهور على وجهه كي لا يخدش هذا المدح أي تعليق متهكم من ( حامد ) لو اكتشف البهجة القوية التي بداخله كأن يقول له مثلا : ( إنت فرحان قوي كده ليه يا اهبل .. شكلي أنا الوحيد إللي قلتلك الكلام ده .. إنت ما صدقت تسمع بقين حلوين من حد يا محروم ) .. إلى آخر العبارات القاسية الممكنة التي تكفي واحدة منها ـ حتى لو كانت دعابة ـ لإطفاء كافة الأضواء المتلالئة داخل روحه في هذه اللحظة وتحويلها إلى ظلام تام .. يريد أن يظل هذا المدح كما هو سليما نقيا محافظا على توهجه من أي جرح أو استلاب .. صديق ( حامد ) يشعر الآن بتدفق قوي ومتواصل داخل أعماقه لنشوة ممتعة للغاية بسبب حصوله على تأكيد صريح وواضح بأنه مهم ونافع ووجوده ضروري جدا في حياة شخص آخر .. صديق ( حامد ) يشعر بأن العالم الآن .. الآن .. ليس رديئا بالكامل .
* * *
( حامد ) في بداية الثلاثينات من عمره .. داخل ظلام الزنزانة ظل مستلقيا ويدخن .. جاء أحد المساجين وتمدد ملتصقا به للغاية وقال له :
ـ معلم حامد
ـ عايزة إيه ؟
ـ إللي اسمه ( سعيد ألمانيا ) ده شكله ناويلي على الشر
ـ إزاي ؟
ـ عايزني بالعافية
ـ هو ابن الوسخة ده ما يعرفش إنك الفرخة بتاعتي ولا إيه ؟
ـ عارف بس مش هامُه
ـ يعني إيه مش هامُه ؟ .. هو المعرّص ده ما يعرفش إن بوذا قال : لا تقض على حياة حي ، لا تسرق ولا تغتصب ، لا تكذب ، لا تتناول مسكراً ، لا تزن ، لا تأكل طعاماً نضج في غير أوانه ، لا ترقص ولا تحضر مرقصاً ولا حفل غناء ، لا تتخذ طبيباً ، لا تقتن فراشاً وثيراً ، لا تأخذ ذهباً ولا فضة .. عموما ماتخافيش لو اتعرضلِك ها أطلع دين أمه
ـ ربنا يخليك ليا يا معلم حامد
ـ ماتنسيش تبقي تغسلي الهدوم بتاعتي إللي في الكرتونة
ـ حاضر .. تحت أمرك
ـ إيه يابت ؟ .. مش حاطة أحمر وأخضر ليه ؟ .. أنا مش مديكي فلوس عشان تبعتي تجيبيهم ؟
ـ والنبي موصية عليهم وهايجوني الزيارة الجاية .. أقوم ألبسلك قميص النوم الأحمر ؟
ـ قومي وما تتأخريش
نهض السجين وعاد بعد لحظات مرتديا قميص النوم ثم تمدد مرة أخرى بجوار ( حامد ) الذي سأله :
ـ جبت الـ ...
السجين : آهي يا معلم
وفتح يده التي كانت تطبق على علبة كريم صغيرة .
* * *
أسرة ( حامد ) نائمة .. ( حامد ) لم ينم بعد .. نهض من فراشه وخرج إلى الصالة .. سُر لما رأى الضوء منبعثا من وراء الباب الموارب لحجرة أخيه .. كان أخوه مستيقظا بالفعل .. قال له ( حامد ) بعدما دخل عليه الحجرة :
ـ إنت لسه صاحي ؟
ـ مش جايلي نوم قلت أما اقرا شوية
ـ أنا كمان مش جايلي نوم
قالها ( حامد ) وهو يتوجه للتمدد بجوار أخيه على الفراش .. ظل ( حامد ) يتطلع صامتا إلى السقف وعلى وجهه ملامح الشرود .. سأله أخوه :
ـ مالك يابني ؟
ـ مفيش .. حاجات بس كده بتيجي وتروح ف دماغ الواحد
ـ حاجات إيه ؟
ـ أسئلة ساعات الواحد بيسألها بينه وبين نفسه
ـ زي إيه ؟
تركت عينا ( حامد ) السقف واعتدل على جانبه ليواجه أخيه قائلا :
ـ يعني مثلا .. بس ماتتريقش .. لو كان في إيدك انك تختار أبوك وأمك كنت ها تختار أبوك وأمك إللي موجودين دلوقت ؟
ابتسم شقيق ( حامد ) وقال له :
ـ إشمعنى يعني السؤال ده وليه دلوقت ؟
ـ مفيش حاجة اسمها اشمعنى وليه دلوقت والكلام ده .. ده سؤال من ضمن أسئلة بتيجي لوحدها في دماغ الواحد من غير ما الواحد ده يقرر تيجي إزاي وإمتى .. المهم السؤال ده عمره ما سألته لنفسك ؟
ـ صراحة مش بالظبط .. أنا ساعات بيحصل بيني وبين أبوك وأمك خاصة أبوك زي ما انت عارف شد كتير وزعل وساعات خصام وأحيانا بتوصل خنقتي منهم لدرجة إني باكون عايز أسيب لهم البيت ومش طايق أقعد فيه بس بصراحة عمري ما فكرت أو خطر على بالي إن يكون ليا أب وأم تانيين
ـ مممممممممممممممممم .. طيب تحب تعرف إجابتي أنا بقى ؟
ـ قول
ـ بالنسبة لأبوك وامك أنا فعلا ساعات بحس إنهم مهما عملوا مستحيل يكون ليا أب وأم غيرهم بس ساعات برضه باحس إن انا عايزهم يكونوا حاجة تانية .. مش قصدي يتغيروا وييجي اتنين تانيين بدالهم .. لأ .. قصدي يفضلوا زي ما هما بس طباعهم تتغير شوية .. انت فاهمني ؟
ـ طبعا فاهم وده نفس اللي أنا قلته على فكرة
ـ بس تعرف إيه الحاجة إللي انا مااخترتهاش وعايزها تفضل زي ما هي كده من غير تغيير
ـ إيه ؟
ـ انت
ـ أنا .. ياسلام ؟
( ياسلام ) ليست تعجبا أو استغرابا بقدر ما هي زهو يبحث عن ساتر سريع
ـ آ والله .. إنت الوحيد اللي عايزك زي ما انت كده
ـ اشمعنى بقى ؟
( اشمعنى ) بالتالي ليست ... ( انظر إلى ما ذُكر عن ( ياسلام ) )
ـ بص انا باكلمك بصراحة .. انا لو كان ربنا خلاني اختار أخويا بنفسي فصدقني مكنتش ها اختار إلا أخ زيك .. يابني انت صاحبي اكتر ما انت اخويا وده أهم شيء بالنسبة لي .. ومش صاحبي وبس لأ صاحبي الجدع جدا كمان والطيب والأخلاق واللي عمره ما زعلني أو عمل حاجة ضايقتني بالعكس أوقات كتير باحس انك بتفضلني حتى على نفسك
ـ على الله يطمر في جتتك .. بس انت بتتكلم بجد ياله يا ( حامد ) .. بذمتك انا فيا كل الحاجات الحلوة دي ؟
ـ والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور .. طبعا يابني والله باتكلم بجد
ـ انت بتحلف ؟
ـ أيوة باحلف مالك انت اتهبلت ؟!
ـ لا لا انا مصدقك .. بس انت اول مرة تقولي الكلام ده
ـ وإيه يعني ثانيا ما الكلام جاب بعضه واحنا قاعدين
ـ على رأيك
ـ أما أقوم انا بقى عشان كبس عليا النوم
قالها ( حامد ) وهو يتثاءب بقوة وينهض من الفراش ويخرج من الحجرة .. ظل شقيق ( حامد ) ينظر طويلا عبر الباب المفتوح الذي مر منه ( حامد ) نحو الصالة وذهب إلى غرفته .. ظل ينظر ويفكر في كلامه .. في رأي ( حامد ) فيه .. يفكر بفرح .. حينما سيغلق باب الحجرة ويطفئ النور ويتمدد في فراشه ويضع رأسه على الوسادة ويحاول النوم ستظل جملة ( حامد ) تتردد في داخله بقوة : ( انا لو كان ربنا خلاني اختار أخويا بنفسي فصدقني مكنتش ها اختار إلا أخ زيك ) .. هذه الليلة سيجد النوم معاناة شديدة في التغلب على شقيق ( حامد ) .. شقيق ( حامد ) سيواجه النوم ـ رغم الباب المغلق والنور المطفأ والفراش والسكون ـ بأقصى مالديه من طاقة وقدرة على الانتباه والتيقظ .. هذه الليلة سيكون النوم بالنسبة له زائرا غير مرحب به وضيفا ليست هناك رغبة في استضافته .. النوم سيجعله يتوقف رغما عنه عن استعادة كلمات ( حامد ) .
* * *
( حامد ) في منتصف الأربعينات من عمره .. منذ فترة طويلة جدا لم يزره أحد ، ومنذ فترة طويلة أيضا لم يكن معه نقود أو سجائر .. نهض ( حامد ) من مكانه داخل الزنزانة وتوجه للجلوس بجوار أحد المساجين وقال له :
ـ هات سيجارة
ـ قوم إرجع مكانك يالا
ـ خليك جدع أنا خرمان ع الآخر
ـ وهو أنا خلفتك ونسيتك يا كس أمك
ـ معلش
ـ معلش إيه ؟ .. قوم روح شوف لك حد تاني يديك
ـ محدش راضي يديني
ـ اتخنقوا منك عشان بقالك مدة بتتلاجيء عليهم
ـ طيب دي آخر مرة .. هات سيجارة وماتبقاش تديني تاني
( مبتسما وهو ينظر في عينيه بحدة ) : عايز سيجارة ؟
ـ أيوة
ـ نزل البنطلون
ـ ياعم الحاج أنا تعبان أصلا والله ومش هـ ...
ـ عليا الطلاق ما انت واخد السيجارة إلا لما أنط عليك
ثم أخرج سيجارة وأشعلها ونفث دخانها بقوة في وجه ( حامد ) الذي ظل للحظات يتطلع إليه صامتا قبل أن تمتد يداه ببطء وتجذبا طرف البطانية ليغطي نصف جسده السفلي ثم أنزل بنطلونه وانقلب لينام على بطنه وهو يقول :
ـ كما في جسد واحد لنا أعضاء كثيرة ولكن ليس جميع الأعضاء لها عمل واحد .. هكذا نحن الكثيرون جسد واحد في المسيح وأعضاء بعضا لبعض كل واحد للآخر .
شعر بيد السجين تتحسس مؤخرته العارية وتدعكها بعنف ثم سمعه يهمس في أذنه قائلا :
ـ خليك زي ما انت لغاية لما أجيب علبة الكريم .
* * *
في الثانية بعد منتصف الليل يصعد ( سوبر ماريو ) إلى سريره .. يصعد كأنه يودع الحياة .. ( سوبر ماريو ) يصعد إلى سريره كأن هذا آخر ما سيفعله في هذه الدنيا .. النوم يعني أنه بدرجة كبيرة جدا ذاهب إلى الموت .. النوم لا يعني نهاية اليوم فحسب بل ربما نهاية كل شيء .. الاستسلام الجسدي التام لمشيئة مجهولة لا يمكنك تحت سلطتها أن تسرع بفعل أي شيء لإنقاذ نفسك مثلما يكون عليه الأمر في اليقظة .. ستكون غائبا وبالتالي خاضعا كليا لأي حكم بالقتل دون أدنى قدرة للدفاع عن النفس .. السلطة المطلقة التي لن تترك لك ولو احتمال بسيط للحاق بأية فرصة للبقاء .. ماذا يعني الموت ؟ .. ( سوبر ماريو ) يفكر بخوف ورعب وفزع في ماذا يعني الموت ؟ .. الدفن .. القبر .. الوحشة .. التحلل .. التراب .. الدود .. الفناء .. أين سأذهب ؟ .. ماذا سأكون ؟ .. بماذا سأشعر ؟ .. أين ستذهب حياتي التي أعيشها الآن ؟ .. أين ستذهب ذكريات طفولتي ؟ .. هل هناك احتمال لأن أعيش هذه الذكريات مرة ثانية بعد الموت سواء كما حدثت أو بشكل أكثر جمالا ؟ .. هل سأعيش نفس حياتي السابقة ناسيا أنني عشتها من قبل ؟ .. إذا كان هذا صحيحا إلى متى سيستمر ذلك وماذا بعده إن كانت له نهاية ؟ .. هل سأعاود العيش مع أبي وأمي وأخي وجدتي الذين سبقوني إلى الموت ؟ .. كيف سنعيش ؟ .. هل سنعيش أيضا كما كنا أم بشكل مختلف سواء للأفضل أو للأسوء ؟ .. لو كان للميت القدرة على العيش مع أسرته بعد الموت فعلى ذلك سيمكن لأمي أن تعيش مع أبيها وأمها وأخواتها مثلي وكذلك أبي وأيضا جدودي سيعيشون مع أسرهم وجدود جدودي نفس الأمر وهكذا .. إذن .. كيف سيمكن لكل هؤلاء البشر الذين لا حصر لهم أن يعيشوا مع بعضهم في مكان واحد وزمن واحد ويكون التواصل بينهم أسريا متينا ؟ .. هل ستكون لنا طبيعة مختلفة بعد الموت تسمح بهذا ؟ .. طبيعة تجعلنا نمتلك ببساطة ما نعتبره الآن في حياتنا الأرضية معجزات أو سحر أو أشياء خارقة ؟ .. هل الموت نهاية لكافة العلاقات الإنسانية التي تسبقه ليصبح لدى الواحد منا من بعده طبيعة إنسانية مغايرة وحياة جديدة تماما بأشخاص آخرين وعلاقات أخرى داخل كون مختلف ؟ .. لكنني أريد أمي .. أريد أن أراها ثانية وأن أعيش معها بأية طريقة .. أريدها حتى لو عدنا لنفس الماضي الذي جرّبناه سويا من قبل .. لا يهم .. أريد أبي وأخي وجدتي .. هل يوجد حقا جنة ونار ؟ .. هذا فعلا ما ينقصنا بعد حياة كهذه !!! .. أن يكون هناك حساب ونار أيضا !!! .. كيف سنحاسب وماذا تعني النار ؟! .. تصدقوا ؟!!! .. حساب ونار !!! .. ( سوبر ماريو ) يشخر بينه وبين نفسه مع احتفاظه الكامل بكافة أفكار ومشاعر الخوف والرعب والفزع .. لكن .. أليس من الوارد أنه بعد الموت ستكون هناك المفاجأة الأجمل على الإطلاق في عمرنا الكوني بأن الكل سيدخل الجنة .. الكل .. جميع الكائنات التي عاشت في كل مكان وزمان سوف تدخل الجنة دون أي استثناء ـ ماذا تعني الجنة ؟! .. أن نكتشف أن كل ما ورد عن العذاب وجهنم وماشابه لم يكن سوى محض أكاذيب أنتجتها الأوهام البشرية أو دعابات ثقيلة فحسب من قوى غيبية شريرة أو نوع من التهديد السماوي بعقاب لن ينفذ أبدا وإنما كانت له أسباب ودوافع أخلاقية ما أيا يكن .. ليس مهما كل هذا .. المهم أننا سندخل كلنا الجنة بطريقة عفى الله عما سلف ولننسى مافات ونبدأ جميعا صفحة جديدة خالدة ورائعة الجمال .. ماذا لو لم يكن هناك شيء بعد الموت ؟ .. أي شيء .. فناء تام وضياع تام وغياب تام .. عدم حقيقي ونموذجي كامل ببراعة واتقان بالغ .. ماذا يعني العدم ؟! .. مجرد لاشيء .. اللاشيء الذي هو النهاية الطبيعية للكون كأحد وحوش أفلام الخيال العلمي التي يخترعها عالم مجنون .. وحش مبرمج على أن يفعل بنا ما يفعله الآن بشكل آلي يتطور تلقائيا بالتدريج دون تدخل من أحد .. هل مات العالم المجنون ؟ .. هل فقد السيطرة على الوحش ؟ .. هل هو غائب في غيبوبة لايمكن تخيل عمقها ثم سيستيقظ ذات يوم ؟ .. ما الذي أصابه حقيقة ؟ .. أم أنه ـ كما يحدث أيضا في أفلام الخيال العلمي ـ يتفرج علينا عبر شاشة ما ويضحك ضحكاته الهيستيرية ؟ .. حدث ما حدث ثم نأسف للإزعاج .. ما حصل كان موضوع وانتهى وألف شكر .. لا يأخذ أي منكم في باله وتقديرنا لحسن تعاونكم معنا .. لكن لا شيء أيضا يعني أنه حتى : ( نأسف للإزعاج وألف شكر وتقديرنا لحسن تعاونكم معنا ) لن يكون هناك أحد كي يقولها لنا .. لا شيء يعني بالضرورة لا أحد .. ربما سنتعرف على الأسف والشكر والتقدير بطريقة ضمنية لحظة الموت كقاعدة أصيلة من قواعد اللعبة تختص بإنهائها بشكل ملائم يتسق مع ما كانت عليه طوال زمن حدوثها .. الخاذوق الأعظم الذي ليس بعده خاذوق ولا يشبهه أي خاذوق آخر .. أن نصبح لاشيء في نهاية الأمر .. بعد كل ما كنا عليه نصبح لاشيء .. ( سوبر ماريو ) يشخر مجددا بينه وبين نفسه وهو لا يزال خائفا ومرعوبا وفزعا .. هل سأعود مرة أخرى بعد الموت كإنسان آخر ليس أنا لأبدأ على الأرض حياة أخرى بأحداث أخرى وأشخاص آخرين ؟ .. لو كان هذا صحيحا فماذا كنت قبل أن أعيش حياتي هذه ؟ .. أنا لا أتذكر أي شيء عن أي إنسان آخر كنته من قبل .. هل من قوانين العودة للحياة بعد الموت أن تُمحى من ذاكرتك في كل مرة كافة ما كان يتعلق أو ينتمي لحياتك السابقة ؟ .. ماذا لو كانت العودة ليست بشرية ؟ .. ماذا لوعدت أي شيء آخر : حيوان .. طائر .. سمكة ... إلخ .. هل يمكن أن أعود قطة مثلا فأقضي حياتي كلها مختبئا تحت العربات وآكل من القمامة وأموت تحت عجلات سيارة ؟ .. هل يمكن أن أعود دجاجة تمضي وقتها في التقافز على سطح بيت ما ثم تذبح في النهاية كي يتم طهيها وأكلها ورمي عظامها في القمامة لتأكلها القطط ؟ .. هل من الممكن أن أعود صرصورا .. ذبابة .. نملة .. فأرا فأعيش دائما داخل الخرائب والمجاري والحمامات ولايحتاج إنهاء حياتي أكثر من رشة مبيد حشري أو قطعة سم صغيرة أو على الأقل ضربة مقشة أو دهس حذاء بسيط ؟ .. ماذا لو عدت نباتا ؟ .. هل سيكون نباتا يصلح للأكل أم يصلح للذبول فحسب ؟ .. هل سأكون شجرة محظوظة بالبقاء أم سيتم قطعها في أقرب فرصة ؟ .. هل يمكن أن أعود طفلا يموت في مجاعة أو في تفجير انتحاري أو في قصف بالطائرات ؟ .. هل يمكن أن أعود متسولا أو مجنونا يضحك عليه الناس في الشوارع أو جنديا في تنظيم ( القاعدة ) ؟ .. هل يمكن أن أعود امرأة أو شاذا جنسيا أو مريضا بعيب خلقي خطير ؟ .. لو كانت هناك حقا عودة للحياة بعد كل موت فإلى متى ستستمر أم أن هذه العودة ستبقى أبدية دون نهاية ؟ .. ولو توقفت ماذا سيكون بعدها ؟ .. هل سيقدم الإله إليّ بعد الموت حيوات كثيرة متعددة كي أختار أي واحدة أرغب في أن أعيشها ؟ .. هل سيجعلني أجلس في مكان ما ليعرض أمامي تسجيل كامل لحياتي السابقة منذ البداية وحتى النهاية بكافة تفاصيلها مع تعليق من جانبه على الأحداث أم سيجعلني أختار أي فترة من حياتي أود أن أعيشها ثانية ؟ .. هل الموت كالنوم ؟ .. لكن النوم درجات وهناك درجات تقترب كثيرا من الصحو .. هل الموت كذلك ؟ .. في النوم تكون قابلا للتأثر بأي شيء يخرجك من حالة السبات أو على الأقل يضعفها قليلا .. هل الموت كذلك ؟ .. في النوم أنا أحلم .. بماذا يمكن أن أحلم أثناء الموت ؟ .. ماذا لو كانت طبيعتي بعد الموت هي نفس طبيعتي قبل أن أولد ؟ .. غير موجود .. لا وجود لي .. لكن ماحدث هو أنني أصبحت موجودا ألا يمثل هذا أي اعتبار في الموت ؟ .. لو لم أكن موجودا من الأساس فما كانت هناك مشكلة .. لكن المشكلة أنني وجدت فعلا فكيف أرجع ببساطة هكذا إلى اللاوجود السابق ؟ .. هل سأكون حيا داخل القبر فأرى وأسمع وأشعر بكل ما بداخله وما بخارجه أيضا بدرجة ؟ .. ماذا سيكون بالداخل ؟ .. هل خروج الروح يعني أن تظل بعده معلقة في مكان عال جدا وتشاهد ما يحدث أسفلها طوال الوقت ؟ .. هل ستقتصر مشاهداتها على ما يخص صاحبها فحسب أم ستتمكن من مشاهدة كل ما له علاقة بكوكب الأرض ؟ .. هل ستذهب الروح إلى مكان ما يناسبها بعيدا عن سقف العالم وقد يكون عال أيضا مع الاحتفاظ بقدرتها على معرفة ما ترغبه من شئوون وأحوال الكرة الأرضية ؟ .. ماذا عن أشيائي التي أحبها في الدنيا ؟ .. الكتب .. المجلات .. اللوحات .. الصور .. الكومبيوتر ... إلخ .. طبعا سأتركها لكن هل تنتظرني نسخا مطابقة منها في الموت بحيث لا أفتقد شيئا منها ؟ .. هل سأنتظر حتى يوم القيامة حتى أستعيدها ثانية بعد حصول معجزة بالطبع تعالج كافة هذه الأشياء مما أصابها به الزمن ؟ .. هل سأنسى أشيائي بعد الموت أم سأظل أتذكرها جيدا بينما يتم تعويضي بما هو أفضل منها ؟ .. هل سيفاجئني الإله بعد الموت بمفاجأة سعيدة مذهلة وهي احتفاظه لي بأشياء طفولتي التي فقدتها بفعل التقدم في العمر كملابسي الصغيرة وكشاكيلي وحقائبي المدرسية ولعبي ومجلدات ميكي القديمة وألبومات بم بم وشرائط الكاسيت المسجل عليها أغاني الأطفال ... إلخ ؟ .
كيف كان اليوم الأول في الكون ؟ .. ماذا كان قبل هذا اليوم ؟ .. ما الذي حدث فيه ؟ .. كيف جاء الزمن ومتى ؟ .. ما الذي كان يحدث قبل وجود الزمن ؟ .. هل نحن في حلم أو كابوس ؟ .. ماذا عن أدوات العقل والقلب والحواس التي نتأمل ونفكر ونتساءل من خلالها عن الوجود والزمن ؟ .. هذه الأدوات الضعيفة الفاشلة القاصرة التي لا تقدر على تفسير أي شيء أو تقود إلى أي حقيقة مؤكدة .. من الذي وضعها